آراء

اسلمة القاصرين

رحيـم العكيلي يكتب لـ عراق اوبزيرفر

اسلمة القاصرين

حينما كنت قاضيا لغير المسلمين في الكرادة حضرت سيدة مسيحية اخبرتني بان لديها بنت تقدم اليها احد اقاربها من المسيحيين ، لكن القاضي رفض تزويج البنت من خطيبها المسيحي لان البنت مسلمة ، اذ ان اباها اسلم -من اجل ان يتمكن من طلاق الام وليس حبا بالاسلام – حينما كانت البنت قاصرة ، فعدها القانون مسلمة تبعا لاسلام احد ابويها.

تقول بان بناتي ظلنن في حضانتي- بعد طلاق والهم لي – وانا مسيحية اذهب بهن للكنسية ولايعرفن غير المسيحية دين لهن ، فكيف يعتبرهن القانون مسلمات ؟ وان بناتي لا يمكن ان يتقدم اليهن للزواج الا من كان من بيئتهن ودينهن ، لان احتمال طلب زواجهن من مسلم هو احتمال ضعيف جدا بسبب النظرة الاجتماعية واسباب اخرى.

لم يكن ممكنا- من وجهة نظر قانونية – تزويج البنت من خطيبها المسيحي- رغم انها فعلا وواقعا مسيحية الديانة – لكن وثائقها تقول بانها مسلمة ، فلا يجوز ان تتزوج المسلمة من غير المسلم وفقا للشريعة الاسلامية.

قانون الاحوال المدنية السابق كان ينص على اعتبار الاولاد القاصرين ( بنين وبنات) مسلمين تبعا لاسلام احد ابويهم سواء اكان الام او الاب ، دون ان يكون لهم راي بذلك ، وكانت محكمة التمييز في اجتهاد قديم منذ السبعينيات تجيز لهؤلاء اختيار العودة لدينه السابق خلال سنة من بلوغه سن الرشد والا سقط حقه في العودة اليه ، لكنها رجعت عن هذا الراي ورفضت – لاحقا منذ عام 2004 -اختيار القاصر لدينه السابق حال بلوغه سن الرشد واعتبرته رده عن الدين الاسلامي لا يمكن القبول به ، فردت المحاكم طلبات اختيار العودة للدين السابق لكل قاصر اعتبر مسلما تبعا لاسلام احد ابويه ، واظن ان المحكمة الموقرة لا زالت تتبنى هذا الراي لحد الان.

لقد طالب المسيحيون وغيرهم من الديانات غير المسلمة في العراق بتعديل النص الذي يقول باسلمة القاصرين جبرا تبعا لاسلام احد ابويهم ، وتعديل النص باعطاء الحق للقاصر نفسه حينما يبلغ سن الرشد في ان يبقى على دينه او يتحول للدين الاسلامي .

الا ان تلك المطالب ذهبت ادراج الرياح حينما اصر مجلس النواب على ايراد نفس الحكم في قانون البطاقة الوطنية رقم 3 لسنة 2016 فنصت المادة(26/ثانيا) منه :- ( يتبع الاولاد القاصرين في الدين من اعتنق الدين الاسلامي من الابوين ) فظل الاولاد القاصرين من الديانات غير المسلمة – اناث وذكور- يسجلون كمسلمين حال اسلام احد الوالدين ولو كان سبب اسلام احد الابوين هو تطليق الزواج الاخر كما يحصل غالبا.

ان الدستور العراقي لعام 2005 ينص على حرية الدين والعقيدة فينص في المادة 42 منه :- ( لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة) وهذا يعني عدم جواز اجبار احد على دين ما او عقيدة ما ، فما بالك ان يجبره القانون -وهو قاصر- فيعده مسلما رغما عنه ، ودون اختيار منه  ، ولا يعطيه الحق باختياره دين الاب الاخر غير المسلم ، او اي دين اخر يراه هو مناسبا له .

لقد تبنت الحكومة الحالية في برنامجها الوزاري الذي منحت الثقة على اساسه تعديل النص اعلاه ومنع اسلمة القاصرين تبعا لاسلام احد ابويهم  ، ولا زال تابعي الديانات الاخرى بانتظار اقرار هذا التعديل.. فهل تفي الحكومة الموقرة بتعهدها ؟

ان الدين ايمان وليس اجبار ، فلا اكراه في الدين ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…وما زاد(حنون)في الاسلام خردلة … ولا النصارى لهم شغل(بحنون).

رحيم العكيلي – قاضي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى