آراء

اعتياد الشر

عبد الحميد الصائح يكتب لــ عراق أوبزيرفر

اعتياد الشر

كيف تفسرُ مواقفَ لجمهورٍ يلتقطُ الصورَ بمشاعرَ محايدة، وهو يحيطُ بصبّي مذبوحٍ مسلوخٍ معلق على عمود كهرباء!؟ أو أشخاصٍ يرَون الأرضَ تبتلعُ المساكنَ وساكنيها دونَ ردةِ فعل وربما برضى !؟، أو جمهورٍ يصفقُ ويهتف لمجموعة ارهابية تستعرض شخصاً أعزلَ مسلوب الارادة في الساحات العامة ثم تشنقه وسط جسر يفصل بين ضفتين، أو جلادٍ يرى أخاه الحقيقي يدخل غرفة التعذيب فيؤدي واجبَه على النحو التام من القسوة ؟ أو شخصٍ ينحر رأسَ انسانٍ أمام عدسات التصوير ؟ أو مجموعة تنهالُ بالضرب المفضي الى الموت على شخص واحد ؟او شخص يقتل آخر لمجرد اشارة على عدم انتسابِه لجماعته.
اتحدّث هنا عن أربع نظريات تحكم هذه الحالات الشاذة في فصيلة البشر العجيبةِ التي أتت بما لم تاتِ به فصائل الكائنات الاخرى حتى المتوحش منها .
انها ( اعتياد الشر) و ( حيونة الضحية ) و( فلسفة الطاعة) و(الايمان بعدالة العالم)، – يمكن للقاريء البحث عنها لمزيد من التفاصيل.

هذه الرباعية المرعبة تتكرّس في منظومات التثقيف وتحديد الأولويات والتنشئة ، تساهمُ بها وسائل الإعلام سواء بفئاتها المنظمة المعروفة أو وسائل التوجية كالحلقات والتعاليم الضيقة والخطب وتغذية النشء بسيلٍ من المعلومات المفترضة المهوّلة عن الآخر ، تحثّ على إماتة مشاعر وايقاظ اخرى . تتحول بفعلها ( الجريمة ) لدى منفذها الى أمر معتاد ونشاط يومي أو مايسمى باعتياد الشر وجعله أمرا مقبولاً حسب (ستانلي ميللغرام).. مادته الأساسية ثقافة سوداء لحيونة الضحية تقوم على تقديم صور نمطية سيئة عن الآخر تُغرسُ في النفوس وتؤثر في السلوك . وهو جهد من إعلام التمييز أدّى الى جرائم رهيبة في التاريخ الانساني حيث عانى السود من البيض أو القبائل القديمة أو أية نزاعات عرقية وعقائدية في التاريخ، تجعلُ الجريمة نشاطاً يومياً مقبولاً لدى المجتمع .
الاتجاه الآخر ، هو تلك الجرائم التي ترتكب تحتَ غطاء أداء الواجب ، أو طاعة الأوامر ، وهو أمر أثار الكثير من الجدل منذ أن القى بول تبيتس الطيار الأمريكي القنبلة َالذرية على هيروشيما . حتى الأنفال والمقابر الجماعية الى يومنا هذا ، حين يقع الانسانُ المأمور بينَ خيارِ ارتكابِ جريمتين ،جريمة عصيانِ الأوامر وجريمةِ تنفيذها – الجريمة الفعلية – مما جعل علماءِ النفس يتداعون للبحث في دهايز النفس البشرية بين طبيعة الفرد المتأصلة بالشر وبين التنشئة والبيئة والثقافة الموجهة لذلك .
الا أن أعجبِ تلك الثقافات التي لاتقل خطورة عما ســـبق هي نظرية الايمان بعدالة العالم ( مكلفين،روبرتس وغروس ) التي فسرت كيفية استساغة الناس وتبريرهم لجميع الأحداث غير العادلة ، فدعاتها يرون أن الناس ( يستحقون ما ينالون وينالون ما يستحقون) وبناء عليه تنعدم اية مشاعر تفاعلية مع ما يعانيه البشر من آلام وظلم وكوارث . في عالم يبذلُ فيه العلماء والمصلحون والفنانون وصناعُ الجمال كل مايجعل الانسان حراً سعيداً يعيش في هذا العالم بخير وأمان وسلام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى