آراء

التردي الفاضح لصناعة التشريعات في العراق

رحيم العكيلي يكتب لـ عراق اوبزيرفر

التردي الفاضح لصناعة التشريعات في العراق

لم يسبق ان تردت الصياغات القانونية العراقية للمستوى المتدني الذي ظهرت عليه بعد عام 2005 رغم حجم الانفاق الكبير على السلطة التشريعية والعدد الكبير من المستشارين والحقوقيين الذين تستعين بهم السلطتين التشريعية والتنفيذية في اعداد مشروعات القوانين ومراجعتها واصدارها.

وساكتفي بمثال واحد -للوقوف على حجم التردي في صناعة التشريعات-هو قانون انضمام العراق لاتفاقية لاهاي الخاصة بالجوانب المدنية للاختطاف الدولي للطفل رقم 48 لسنة 2013 المنشور في الوقائع العراقية بالعدد 4305 في 7 /1/2014.

اذ اكتفى قانون الانضمام اعلاه على مادتين الاولى تعلن عن انضمام العراق للاتفاقية،والثانية تحدد تاريخ نفاذ القانون من تاريخ النشر،واسباب موجبه منقولة حرفيا من الاسطر الثلاث الاولى لديباجة الاتفاقية.

وهذا الموقف التشريعي جعل الانضمام للاتفاقية بدون اي قيمة تذكر-لتعذر تنفيذها-كما انه مخالف لبعض احكامها.

اما مخالفته لاحكام الاتفاقية فهو ان قانون الانضمام نص على سريانه منذ النشر في الجريدة الرسمية العراقية في حين ان المادة(38)من الاتفاقية نصت على دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بالنسبة لاي دولة تنضم اليها في اليوم الاول من ثالث شهر تقويمي يلي تاريخ ايداعها الية الانضمام.فكان ينبغي ربط نفاذ الاتفاقية بايداع الية الانضمام،وفقا لما نصت عليه الاتفاقية،وليس من تاريخ النشر في العراق.

كما ان القانون لم ينص على الزام الحكومة العراقية بايداع الية الانضمام الى وزارة الشئون الخارجية لمملكة هولندا وفقا للمادة (38) من الاتفاقية،وارجو ان اكون مخطئا بان وزارة الخارجية لا تدري بهذا الالتزام ولا تعرف بوجوب ايداع الية التصديق للاتفاقية اعلاه الى الخارجية الهولندية،واظن بانها لم تودع لحد الان،لان امر مماثل حصل في عدم الاشعار بمصادقة العراق على اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لاكثر من سنة حتى اشعارنا وزارة الخارجية بذلك فاودعوا وثائق التصديق عام 2009 او 2008 .

اما عمليا فان الاتفاقية رغم اهميتها وخطورتها لتعلقها بحياة الاطفال دون السادسة عشرة وما يحصل من نقلهم واحتجازهم في بلدان اخرى غير بلدان اقامتهم الدائمية،فان قانون الانضمام لها لم يضع اي قواعد ومعالجات اجرائية لضمان تنفيذها في العراق رغم وجود النصوص الدالة على وجوب القيام بذلك في الاتفاقية نفسها.

فالاتفاقية توجب على الدول انشاء سلطة مركزية(لجنة)تتولى انجاز المهام التي تفرضها الاتفاقية على البلد المنضم اليها،فتتولى تلقي طلبات اعادة الاطفال وما يلزمها من وثائق،والتنسيق مع السلطات المركزية للدول الاخرى،والسعي للتوصل الى الاعادة الطوعية للطفل،ووضع الترتيبات لحقوق الزيارة والاتصال المتعلقة بالاطفال،في حين ان قانون الانضمام اهمل ذلك بالكامل.

وقد حاولت الامانة العامة لمجلس الوزراء ردم هذه الثغرة فاصدرت الامر الديواني 14 لسنة 2021 غير القانوني لعدم نص قانون الانضمام على منحها تلك الصلاحية-فالفت لجنة تتولى مهام السلطة المركزية المنصوص عليها في الاتفاقية،لكنها ارتكبت خطأ فادح حينما نصت في الامر الديواني على ان تنجز اللجنة مهامها خلال ستة اشهر،وهذا يعني بان الامر الديواني اعلاه لم يدرك بان تلك اللجنة هي لجنة دائمية وليس لجنة لانجاز مهمة معينة تنتهي بوقت ما.

اما اعادة الطفل المنقول او المحتجز بقرار وطني الى بلد اقامته الدائمي فان الاتفاقية تركت للدول المنضمة للاتفاقية وضع نصوص قانونية تحدد فيها اجراءات اصدار القرار الوطني باعادة الطفل الى بلده وتحديد الجهة القضائية او الادارية المختصة باصدار القرار واليات اصداره وطرق الطعن في القرار.الا ان قانون الانضمام سكت عن كل ذلك،فاضحى انضمام العراق بلا قيمة عملية تذك،وظلت طلبات اعادة الاطفال تدور في حلقات مفرغة وتطبيقات عشوائية ومزاجية بعيد عن الاتفاقية واهدافها السامية.

ولعلني اقطع بان واضعي مشروع قانون الانضمام للاتفاقية ومن صوت على القانون من النواب المحترمين لم يقرؤوا الاتفاقية،اولعلها قرءت عليهم انما كانوا مشغولين بهواتفهم النقالة،او لعلهمقرؤها فلم يفهموا منها شي،والا كيف يمكن اصدار قانون مخالف للاتفاقية،ودون معالجات مناسبة لما تنص عليه الاتفاقية.

دعوة مخلصة للاخوة صناع القرار في مجلس الوزراء وامانته العامة لوضع تعديل مستعجل لقانون الانضمام للاتفاقية يتضمن تشكيل السلطة المركزية ومهامها واليات عملها وطرق الطعن في قراراتها،وتحديد الجهة القضائية او الادارية المختصة باصدار قرار الاعادة الالزامي اذا فشلت جهود الاعادة الطوعية واليات العمل لديها وطرق الطعن في قراراتها .

ان الاجيال المقبلة ستضحك علينا ملئ اشداقها بسبب التردي المخجل في صناعة التشريعات لدينا،ونرجو ان يكون تردينا هذا هو اقصى ما يمكن ان نصل اليه من التردي فاننا في القاع فعليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى