آراء

التعذيب وفرص الانصاف

رحيم العكيلي/قاضي متقاعد يكتب لـــ عراق_اوبزيرفر:

التعذيب وفرص الانصاف

لا يمكننا – كقانونيين – ان نتجاهل دعوة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني لمن تعرض للتعذيب الى تقديم شكاوى الى مكتبه،دون ان نتوقف امامها،لانها قد تكون نقطة تحول كبرى في مسار حقوق الانسان في العراق،اذا ما كانت دعوة جادة،تسعى لايجاد حلول مخلصة لمعضلة تعرض المتهمين للتعذيب والاذلال واهانة كرامتهم الانسانية من اجل انتزاع اعترافات منهم بالاكراه.
لم يسبق ان اهتم رئيس مجلس وزراء عراقي بمعالجة او التأشير الى موضوع التعذيب،بل كان بعضهم حريص على تجاهل الامر وقمع وملاحقة من يتحدث به او يعلن عنه او يكشف ممارسته،فكان منهم داعم له بسبب معرفته بان الامكانية التحقيقية العراقية قد تعجز عن اثبات اية جريمة،ما لم تستعمل التعذيب كوسيلة لاجبار المتهم للاعتراف بها،فهي الوسيلة الاسهل والاسرع والاقل كلفة والتي لا تتطلب خبرة علمية ولا اجهزة فنية ولا كوادر متدربة او علماء متخصصين،ولم يكن يهمه بان يسقط في طريقها الكثير من الابرياء الذي يذهبون ضحية تلك الاجراءات،فهي لا تنتهج كشف الحقيقة بقدر ما تسعى الى القاء عبء الجريمة في ذمة شخص ما،او الاطاحة بفئة،او اشخاص تابعين لفئة ما،ولو لم يكونوا هم الفاعلين .
ويخطأ من يظن باقتصار ضحايا التعذيب على الابرياء الذين انتزعت اعترافات منهم بالتعذيب بجرائم لم يرتكبوها،بل يعد من اعترف بجريمة ارتكبها فعلا ضحية من ضحايا التعذيب – ولو كان هو الجاني فعلا – اذا كان اعترافه قد انتزع منه بالتعذيب،لان انتزع الاعترافات بالتعذيب- ولو من جاني- جريمة وفق المادة 333 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل التي نصت:- ( يعاقب بالسجن او بالحبس كل موظف او مكلف بخدمة عامة عذب او امر بتعذيب متهم او شاهد او خبير لحمله على الاعتراف بجريمة …)ونصت المادة(37 /اولا-ج ) من الدستور:- (يحرم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية ولا عبرة باي اعتراف انتزع بالاكراه او التهديد او التعذيب وللمتضرر المطالبة بالتعويض…).
ان التعذيب يعطي صورة عن حجم الانتهاكات والاذلال الذي يتعرض له البشر في الدولة التي تنتشر فيها تلك الممارسات،وكون تلك الدولة لا تحترم مواطنيها ولا تقيم لحرياتهم وسلامتهم وكرامتهم الانسانية اي وزن،لذلك تسلط عليهم وحوش بشرية مريضة تمارس تعذيبهم واذلالهم بدون مساءلة وخلف الاسوار العالية وبحماية السرية والتخاذل او التواطئ الرسمي .

قد تواجه مسالة انصاف الابرياء الذين ذهبوا ضحية لاعترافات بجرائم لم يرتكبوها تحديات شكلية في انصافهم او اعادة محاكمتهم لكن فرص الحل القانوني من اجل انصافهم متوفرة دوما اذا توفرت الارادة لمنحهم العدالة.
لكن انصاف ضحايا التعذيب لا يقتصر على منحهم العدالة التي يستحقونها بل يتوجب ان يمتد لحصولهم على تعويض عادل ومجزي،وفق ما نصت عليه المادة(37/اولا-ج) من الدستور،من خلال قانون منصف لا يذر الرماد في عيون الضحايا فقط مثلما يحصل دوما في دولنا العتيدة التي لا تحترم الانسان والامة وهمومه.
انما نفترض بان دعوة رئيس مجلس الوزراء لتقديم الشكاوى ضد ممارسات التعذيب لا يقصد منها مجرد انصاف الضحايا،بقدر ما يقصد منها ملاحقة الوحوش البشرية التي تمارس التعذيب ومن تواطئ معهم وانزال العقاب المناسب بهم وفضح ممارساتهم واعلانها للراي العام لردع اي ممارسات لاحقة مماثلة .
دولة الرئيس المحترم… ان مناهضة التعذيب هو الطريق الناصع لاقرار السلام داخل المجتمع،انما يحتاج الامر الى خطة استراتيجية تمنع التعذيب وتقلص فرصه،وتلاحق من يتورط به بكل قسوة،وتنشر ثقافة احترام الانسان واحترام حرياته وخدمته في المؤسسات العدلية والشرطية،والا ستكون دعوتكم لتقديم الشكاوى مجرد شعار لن ينتج ما ننتظره منه.
رحيم العكيلي_قاضي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى