آراء

الحب وأشياء أخرى

عبد الحميد الصائح يكتب لـ عراق أوبزيرفر

الحب وأشياء أخرى

هل فكرنا يوما لماذا يتصف العراقي بهذا الاندفاع نحو الآخر .. بهذه العاطفة الجامحة التي تخرج من حدائق الشعور الانساني الطبيعي ، الى مستنقعات الغضب الحاد او الولاء الاعمى ؟ هل فعلا ان الشخصية العراقية مختلفة عن بقية خلق الله في انها تحب بدون حدود وتكره بدون حدود وتخضع بدون حدود وتنتقم بدون حدود . شخصية صاخبة الحواس لا مناطق وسطى في سلوكها ؟ بتواضع تام اشك في ذلك .. لان الذين يتوقفون عند ذلك الرأي انما يبحثون عن مبرر تطمئن له استنتاجاتهم ، لخلق صورة نمطية تفسر كل شيء حتى وان كان شاذاً.

أستعير هنا عنواناً لأحد المسلسلات التلفزيونية المصرية التي عرضت عام 1986 في اوج المعارك الطاحنة شهدتها الحرب العراقية الايرانية ثمانينات القرن الماضي .
اعتذر لروح اسامة انور عكاشة الذي كتب العمل بلغة وحكمة فيّاضين من خلال قصة حب بين مدرس موسيقى فقير وفتاة ثرية . لاني سأثقل عنوانه في هذا المقال بحمولات بعيدة الى حد ما عن ذلك الجمال الدرامي الذي جعلنا ةنكاسر الحب بالحرب في شبابنا المهدد أيامها من كل مبنى ومعنى.

لكن الحب في هذا المقال شيء اخر ، انه ذلك السبيل الى الهروب من العجز والعدوان والحرمان والعزلة كما تراه عالمة النفس الشهيرة كارين هورناي 1885-1952 ، واصفة مايحدث في حالة ( القلق الاساسي ) – نظريتها المعروفة..ابداء الحب واحدة من وسائل الحماية من الآخر .. انا احبك فمؤكد انك لن تؤذيني .. وانا استسلم لك لاضمن الشعور بالأمان . وهو ماينطبق تماما على الحالة السياسية كما اشارت هي في تشبيهها .
فمتى يتحول الحب الذي هو غاية في جوهره الى وسيلة؟ ، كيف تتم المبالغة بالعواطف ازاء الاشخاص والجماعات والدول من اجل احتواء مخاطرها؟ .
هذا مايفسر الكثير من المبالغات المدهشة في ابداء الولاء ومظاهر الكرم والتعصب وتجاهل الاحكام الاجتماعية على التوازن من عدمه في سياق السلوك الانساني .

 

حتى الان ظل الباحث العراقي يتخذ من الشخصية العراقية مجرد عينة لتطبيق نظريات في علم السلوك والاجتماع فيدرس تناقضاتها وانفعالاتها بما يقترب من التندر حذرا من دخول المناطق الحمر الخطرة ، كثيرا ما يتردد عن القول صراحة ان العراقي ظل مضطرب الهوية بحكم الاحتلالات المتتالية وحروب الخارج على ارضه ، سواء الحروب العقائدية المباشرة او الحروب والعدوانات الادارية بذرائع عقائدية .. حَكَمَهُ الغرباء من مئات السنين واسس دولتهم ومدنهم غير العراقيين وظلوا جنودا لحروب غير وطنية ، لايسمح لهم حتى اليوم بتأسيس حركة او حزب وطني كل ما على ارضه من احزاب وافكار لم تنتج محليا ، ومع ما يتصل بذلك من قمع ومصادرة للحقوق والحريات ، ظلت الشخصية العراقية تقاوم بنعومة، بالسخرية تارة وباظهار العاطفة والحب عند الطلب ، وبالولاء لكل من جاء بسيفه وحباله .. شخصية ثائرة على الدوام ومهددة على الدوام . ولذلك فان مظاهر المبالغة في الكرم والحب والنسيان ليست شعورا بالمهانة او جلدا للذات انما هي وسائل تهدئه واحتواء لمخاطر الاخرين اعتادها العراقيون عبر تاريخ ارضهم القلقة.. بدليل ؛ مع أي مؤشر لضعف الآخر او غياب سلطته ،ترى العراقي ينقلب رأسا على عقب في الغضب والقسوة ويقوم بافعال لايمكن قياسها بسوى التوحش والانتقام . ان ذلك ليس تناقضا كما يوصف وليس وقوفا مع القوي كما يرى . بل لان ما يمنحه من ولاء وعاطفة وحب لم يكن حبا خالصا موضوعيا بقدر ما هو مقاومة ناعمة خفية لسحب البساط من تحت اقدام الطغاة حتى تحين الساعة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى