آراء

الخطيئة والجريمة و.. العقاب

حمزة مصطفى يكتب لـ عراق أوبزيرفر

الخطيئة والجريمة و.. العقاب

أثار مقالي “الله والإنسان” الذي نشرته وكالة “عراق أوبزرفر” الأسبوع الماضي جدلا بين النخبة سواء في المواقع والكروبات أو بالفيس بين مؤيد بقوة ويقف في مقدمة المؤيدين الأستاذ عزت الشابندر وأساتذة آخرين, وبين متحفظ لهذا السبب أو ذاك وبين معترض كوني لم أك منصفا على صعيد ماقدمه العرب أيام حضارتهم الزاهية التي سطعت على الغرب والشرق. غير أن الذي لفت نظري هو توصيف صديقي أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد الدكتور طه جزاع للمقال بأنه “خطبة جمعة مرتبة” كوني هاجمت الفلاسفة الذين ينتيم اليهم جزاع ماعدا إبن رشد الذي قلت إننا صدرناه للغرب فاعادوه لنا بحلة جديدة حتى أعدنا إكتشافه من خلالهم شارحا لأرسطو. أنا أتفهم تلك المواقف وبالأخص المتحفظة أو المعترضة لأنني على مايبدو لم أتمكن من إيصال االفكرة التي كنت أتوقع إنها لاتخفى على لبيب كون ما ذكرته من مخترعات الغرب ومكتشفاته التي لم يكن لنا منها نصيب سوى ساعة هارون الرشيد التي قرعنا بها رؤوس العالم كان يمكن أن تؤدي المعنى المقصود للفارق بيننا وبين هذا الغرب. الأهم إنني وفي سياق المقارنة بين ماوصل اليه الغرب من تقدم علمي هائل افقده التوازن على مستوى القيم والأخلاق وبين دفاعنا نحن العرب والمسلمين عن هذه القيم والأخلاق متمثلين بذلك في كتابنا العظيم القران الكريم نكون نحن الأفضل طقا لكل المعايير. الغرب الآن بات وبشكل مقصود بل ومقرف يدافع عن المثلية والشذوذ. ليس هذا فقط فإن الطامة الكبرى الأخرى هي الذكاء الإصطناعي وماسوف يترتب عليه من نتائج كارثية مستقبلا.
في الواقع أن ماجعلني أتناول هذا الموضوع للمرة الثانية ليس فقط توضيح ماكان قد التبس على القراء والأصدقاء سواء من قبلي لجهة التعميم أو غمط العرب حقهم أو لجهة القراء والمتابعين لاسيما المهتمين ومن بينهم فضلا عن دكتور طه جزاع الصديق الدكتور محمد مظفر الأدهمي وهو أستاذ تاريخ بارع صاحب البرنامج الشهير من تلفزيون بغداد سبعينات القرن الماضي (شيء من التاريخ), هو ما كان قد تحدث به بابا الفاتيكان البابا فرنسيس بشأن المثلية حين وصفها بأنها “خطيئة لكن ليست جريمة”. لست مؤهلا للنقاش مع الحبر الأعظم في المجال الديني كما لست مؤهلا للنقاش مع أي رجل دين مسلم كذلك بشأن قضايا تفصيلية تتعلق بشؤون الدين لأني لست من رجاله ولا علمائه بقدر ما أنا كاتب لدي رؤية أو لأقل منظور فكري معين يتيح لي الحق في مناقشة الأفكار لا سواها من شؤون الدين فقها وعقائد.
إن حقي في مناقشة الأفكار والمفاهيم من منطلق فكري لا ديني لايمكن مصادرته تحت أي تبرير أو ذريعة من أي طرف, بل يصبح ذلك من واجبي كمتابع على الأقل خصوصا إننا حيال قضية إشكالية وهي قضية المثلية والشذوذ لاتزال مواقف رجال الدين منها دون المستوى المأمول حتى الآن على الأقل. من هنا وعلى صعيد رأيي بما أدلى به قداسة البابا بشأن “الخطيئة والجريمة” أقول إنني بدءا أتفق مع قداسته في أصل معنى “الخطيئة” و”الجريمة” في المجالين الديني والفكري. وهما مفهومان متقاربان تقريبا في الإسلام والمسيحية. ففي القران الكريم وردت مفردة الخطيئة في العديد من الآيات القرانية لكني سأكتفي بآية واحدة هي الآية 12 من سورة النساء التي تقول “ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد إحتمل بهتانا وإثما مبينا”. ومع أن الآية ربطت بين الخطيئة والإثم ومن بعده البهتان لكن القران فرق على صعيد الخطيئة بين العمد وغير العمد وهو مايعني وجود مرونة في حالة التراجع عن فعل الخطيئة.
لكن حين نبحث مفهوم الخطيئة في المسيحية فإننا نجدها مرتبطة بأصل العقيدة المسيحية وجوهرها وبالتالي ينبغي أن يكون مرتكبها كمن بفعل إثما بعمد. فإذا كان جوهر المسيحية هي موت السيد المسيح (ع) على الصليب لكي يغفر خطايا البشرية فإن الموقف من الخطيئة ينبغي أن يكون مساويا لفعل الجريمة. أي أن من يرتكب خطيئة فكإنما يرتكب جريمة ضد الله سبحانه وتعالى. لذلك أستغرب تساهل الحبر الأعظم على صعيد الفصل بين الخطيئة التي هي في الدين الإسلامي اقل من جريمة بينما هي في المسيحية تعتبر جوهرا لا فرق بينها وبين الجريمة إن لم ترتق الى مستواها. وبالرغم أن للجريمة دلالات مختلفة في القران لكن الثابت في أحكام القران أن المثلية والشذوذ مخالف للفطرة البشرية. وقد أوردت في مقال الأسبوع الماضي العديد من الآيات القرانية التي ذكر فيها الخالق الذكر والأنثى والرجل والمرأة والزواج بين الأنفس من ذكر وأنثى. وعلى صعيد المثلية والشذوذ التي أسماها القران الفاحشة فقد وردت آيات قرانية شديدة الوضوح بهذا الشأن. حيث يقول القران في الآية 80 من سورة الأعراف “أتاتون الفاحشة ماسبقكم بها من أحد”. وقال في سورة النمل 54 “ولوطا إذ قال لقومه أتاتون الفاحشة وأنتم تبصرون”. وفي سورة الشعراء 165″ أتاتون الذكران من العالمين” أو “وتذرون ماخلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون” الشعراء 166.
بقي أن أشير الى مسألة ربما تكون التبست على القراء والمتابعين حيث يتساءل بعضهم لماذا كل هذه “الخبيصة” بشأن المثليين والشواذ بينما هم موجودون من قديم الزمان وصدرت عنهم كتب ومصنفات. فهناك من يحيلنا الى بعض كتب التراث التي تعج بالحديث عن الغلمان والمخانيث. يضاف الى ذلك كتاب “الف ليلة وليلة”. وهناك من يقول أن الله سبحانه ذكر لنا قوم لوط وهو مايعني أن هذه القصة قديمة جدا. فنحن لانعرف تاريخ قوم نوح ولازمن وقوع الفاحشة التي دلنا عليها القران, حيث لاتوجد أية معطيات لا مادية ولا سواها بحيث نستطيع إيجاد مقاربة زمنية. لكن مجرد ذكرها في القران الكريم تعني أن هناك من كان من قبل يمارس هذا النوع من الشذوذ الذي حظي بعقاب جماعي شمل تلك القرية الظالم أهلها بإستثناء النبي لوط (ع). كل هذا صحيح لكن الفارق بين ماذكر من تواريخ يعود بعضها الى عشرات القرون فيما يرجع بعضها الى عشرات السنين وبين مايجري اليوم يكمن في أن ما أورده الله عن قوم لوط هي جزء من القصص القراني الذي انزله الله على النبي محمد (ص) لأهداف تتعلق بكيفية عالج القران فعل الفاحشة الذي يتمثل في الإعتداء على الفطرة البشرية السليمة. يضاف الى ذلك أن ماورد في كتب التراث أو في المجتمع في أوقات معينة فإن هذا يبقى مهما قيل فيه وكتب عنه حالات فردية لا أكثر. ولكل حالة علاجها إن كان في الدين أو القوانين. لكن الأمر اليوم يختلف كليا. فاليوم هناك تبن واضح لفعل الشذوذ, بل بات من المفاخر بين بعض الأمم ومنها الولايات المتحدة الأميركية التي يفتخر رئيسها بأنها “أمة من شذوذ”. أيضا ماذا نسمي دفاع الأمم المتحدة عن الشواذ في يومهم برفع علمهم على مبناها العريق كما يفترض؟ تصوروا صار للشواذ يوم يحتفلون به, وعلم يرفع لهم وسط أعلام الدول. ماذا نفسر إصرار الأوربيين على التبني الرسمي للشذوذ والمثلية بوصفها تعبيرا عن الحرية. ليس هذا فقط فإنهم باتوا يمارسون ضغوطا على من يعترض على هذا التعدي الصارخ ليس للقيم والأخلاق بل للفطرة التي فطر الله الناس عليها بوصفهم ذكرا وأنثى ورجلا وإمراة لاتستقيم الحياة الإ بهم ولاإنجاب دونهم أيا كانت المساعي والمحاولات بمن في ذلك ماباتوا يبشرونا به على صعيد الذكاء الإصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى