آراء

الشاعر محرَجا ومحرِجا

حمزة مصطفى يكتب لـ عراق أوبزيرفر

الشاعر محرَجا ومحرِجا

وضع الفيلسوف الكبير (الكندي أول فيلسوف عربي) الشاعر العربي الكبير أبو تمام في موقف محرج أمام الخليفة العباسي المعتصم.أبوتمام كان يقرأ شعرا في مدح الخليفة وكان الكندي يجلس الى جانبه حين كان الخلفاء يجالسون الفلاسفة والشعراء. إنسابت القصيدة أمام الخليفة وجلاسه عبر مطلعها المهيب “ما في وُقوفِكَ ساعَةً مِن باسِ .. نَقضي ذِمامَ الأَربُعِ الأَدراسِ”. وتستمر القصيدة عبر أداء يليق بالمادح والممدوح حتى وصل شاعرنا الفذ حبيب بن أوس الطائي (أبوتمام) الى البيت الذي تحول الى فخ للشاعر من وجهة نظر الفيلسوف. البيت محل الإشكالية هو “ٌإقدام عَمرٍو في سَماحَةِ حاتِمٍ ..في حِلمِ أَحنَفَ في ذَكاءِ إِياسِ”. الشاعر وظف في هذا البيت التشبيه الجائز شعرا وبلاغة لكي يقارن بين الخليفة وبين أربعة من فضلاء العرب شجاعة (عمرو بن معد) وسماحة (أحنف بن قيس) وكرما (حاتم الطائي) وذكاء “إياس بن مطيع”. “ضاج” الفيلسوف موجها كلامه لأبي تمام متطوعا نيابة عن الخليفة “أما زدت أن شبهت الخليفة بأجلاف العرب”؟. إذن هؤلاء الأفذاذ شجاعة وسماحة وكرما وذكاء مجرد أجلاف في عرف الكندي متصورا إنه أحرج الشاعر امام الخليفة.ابوتمام لم يلتفت الى الكندي حين حاججه وكإن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد. كما لم يتلعثم منتظرا حكم الخليفة المزاجي في العادة. واصل موظفا كل مايملك من طاقة شعرية كبيرة في إحراج الكندي ومرتفعا بالخليفة الى عنان السماء, “لا تُنكِروا ضَربي لَهُ مِن دونِهِ .. مَثَلاً شَروداً في النَدى وَالباسِ .. فَاللَهُ قَد ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنورِهِ .. مَثَلاً مِنَ المِشكاةِ وَالنِبراسِ”. إستحضر أبو تمام الآية القرانية في سورة “النور” وهي “مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور”. أسقط في يد الكندي وفرح الخليفة مرتين, مرة بالتشبيه الأول الذي إعترض عليه الكندي لأن من ذكرهم أبوتمام يعرف الخليفة قيمتهم الإعتبارية, ومرة بالتشبيه الثاني حين ربط الشاعر بين النار والمشكاة في وصف هو الأروع من حيث المقارنة والتشبيه المجازي.

عميد الأدب العربي طه حسين أوقع شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في موقف محرج أيضا لكن بعد مرور نحو عشرة قرون على “دكة” الكندي مع أبي تمام. الفرق بين الكندي وطه حسين أن عميد الأدب العربي لم يكن يقصد إحراج الشاعر مثلما فعل عميد الفلاسفة العرب. ففي مهرجان الشعر العربي في دمشق لمناسبة مرور الف سنة على وفاة المعري في ستينيات القرن الماضي قرأ الجواهري قصيدته العصماء “قف بالمعرة إمسح خدها التربا .. واستوح من طوق الدنيا بما وهبا”. وحين وصل الى البيت التالي “لثورة الفكر تاريخ يحدثنا.. بأن الف مسيح دونها صلبا” وقف طه حسين مصفقا بعد أن هزه هذا البيت بعنف. ولأن طه حسين متعاطف بالسليقة مع المعري كونه, أي حسين, رهين محبس واحد على الأقل هو فقدان البصر وقف مصفقا بحرارة طالبا من الجواهري إعادة البيت الف مرة ولن يجلس قبل أن يحقق له الجواهري هذا الطلب. إحرج الجواهري, فإعادة بيت واحد من الشعر الف مرة أمر مستحيل فضلا عن كونه مملا لو كان فعل. ومثل سلفه (أبو تمام الطائي) كانت سرعة البديهة حاضرة لديه حين أعاد البيت كالتالي “لثورة الفكر تاريخ يحدثنا .. بأن الف الف مسيح دونه صلبا”. إستحسن طه حسين هذه “التخريجة” لهذا البيت فعاود الجلوس في مقعده بعد أن أحرج الجواهري وأحرج نفسه معه.

تهور النابغة الذبياني في وصف المتجردة زوجة النعمان بن المنذر حيث كان ضيفا عنده. فحين خرجت المتجردة من الحمام سقط النصيف (المنشفة) الذي كانت تغطي به جسدها العاري. كتب النابغة قصيدة سخيفة رقيعة في وصف المرأة من بين أبياتها هذا البيت الذي يدل على التصرف العفوي للسيدة “سقط النصيف ولم ترد إسقاطه .. فتناولته وإتقتنا باليد”. وبعد أن أهدر النعمان دم النابغة كتب القصيدة التالية معتذرا ” وعيدُ ابي قابوس في غيره .. اتاني ودوني راكسٌ فالضواجعُ”. ومما قاله ” اتاني أبيت اللعن أنك لمتني .. وتلك التي تستكُّ منها المسامع. فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ .. من الرقش في انيابها السم ناقعُ. فإنك كالليل الذي هو مدركي .. وإن خلت ان المنتأى عنك واسع”. يمكن أن نضع قصيدة البردة لكعب بن زهير في سياق البحث عن تبرير بعد الإحراج الذي أوقع الشاعر نفسه فيه حين هجا النبي في مسعى منه للتخلص من موقف محرج. فالنبي محمد (ص) أهدر دم كعب. كعب إعتذر وأي إعتذار في قصيدة من عيون شعر صدر الإسلام الأول. جاءت أبيات القصيدة منسابة هكذا “بانت سعاد فقلبي اليوم متبول .. ميتم إثرها لم يفد مكبول.. أنبئت أن رسول الله أوعدني .. والعفو عند رسول الله مأمول”. وتتصاعد القصيدة عبر أداء درامي مبهر (مهلا هداك الذي أعطاك نافلة .. القران فيها مواعيظ وتفصيل) حتى حين وصل الى البيت الذروة (إن الرسول لنور يستضاء به .. مهند من سيوف الله مسلول) خلع عليه النبي بردته فمسيت القصيدة بالبردة. وبقيت البردة تتناقلها الأجيال حتى وجدت لها مكانا في أحد متاحف إسطنبول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى