آراء

المتنبي والسياب شارع ومشفى

حمزة مصطفى يكتب لـ عراق أوبزيرفر

المتنبي والسياب شارع ومشفى

مات أبو الطيب المتنبي,أحد أعظم الشعراء العرب عبر كل العصور ولم يحصل على مراده. كان مراده ولاية. لم يحصل عليها من سيف الدولة, فطلبها من كافور الأخشيدي. كلاهما “غلس” عليها. عاتب الأول عتاب أحباب وهجا الثاني أقسى أنواع الهجاء. المتنبي أول من كال بمكيالين. حين غضب من سيف الدولة إكتفى بالعتاب فقط “أعيذها نظرات منك صادقة .. أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم” أو “يا أعدل الناس الإ في معاملتي .. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”. بينما حين غضب من كافور الاخشيدي هجاه كأقسى مايكون الهجاء “لاتشتر العبد الإ والعصا معه .. إن العبيد لأنجاس مناكيد”. بيت شعر سخيف لو كانت هناك منظمات حقوق إنسان على عهده أو هيومان رايتش ووج كان إعترضت بشدة على مابدا من المتنبي من عنصرية وتنمر معا. لم يقسو المتنبي على سيف الدولة لاكثر من سبب. الأول إنه كان ينظر اليه بوصفه نموذجا للأمير العربي الذي كان يتمناه المتنبي. الثاني حبه لخولة اخت الأمير. لم يجرؤ على أن يكتب فيها غزلا, لكن حين ماتت رثاها بواحدة من اجمل مراثي الشعراء حين يصدقون,”طوى الجزيرة حتى جاءني خبر.. فزعت فيه بآمالي الى الكذب .. ولما لم يدع لي صدقه أملا .. شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي). كان المتنبي رثا أم سيف الدولة بقصيدة فيها قدر كبير من المجاملة لإبنها الأمير, “ولو كان النساء كمن فقدنا .. لفضلت النساء على الرجال .. وما التأنيث لإسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال). مات المتنبي على يد فاتك الأسدي بعد قصيدة “الطرطبة” الهجائية الرديئة. وبعد الف عام على وفاته أقطعت له أمانة العاصمة شارعا سمي بإسمه “شارع المتنبي” بدلا من “منّة” سيف الدولة وكافور. كما أقيم له تمثال نحته الفنان محمد غني حكمت محاكيا بيتين للمتنبي وهما “على قلق كأن الريح تحتي.. أوجهها جنوبا أو شمالا ” و “أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي .. وأسمعت كلماتي من به صمم”.
حين مات بدر شاكر السياب مشى بجنازته أربعة أشخاص فقط. كان الجو مثل شعره ممطرا. عاد من الكويت جثة بعد أن ذهب اليها عليلا باحثا عن علاج لمرضه الذي عجزالاطباء عن تشخيصه. في الكويت وعند إشتداد المرض بدأ يحس بالغربة مع أن الكويت لاتبعد عن البصرة أكثر من “شمرة عصا”. كتب “غريب على الخليج” ولم يحصل الأ على الردى حيث لا لؤلؤ ولا محار. بعد سنوات على وفاته إقيم له تمثال في مدينته البصرة خضع للترميم في خليجي 25. لا أحد يمر في البصرة من الشعراء والمثقفين منذ مرابد الشعر حتى باقي المهرجانات دون أن يمر على تمثال أبي غيلان أو “يزرك” الى بيته في أبي الخصيب “قرية جيكور”. قرية جيكور ونهر بويب وضعهما السياب على الخريطة ومثلهما منزل جده الإقطاعي الذي اسماه “منزل الأقنان”. آخر ما كان يتوقعه السياب العليل أن يحصل بعد وفاته بستين عاما على مستشفى بل مدينة طب بكاملها. كرم فوق العادة في وقت كان حين مات لايملك ثمن شراء حبة باراسيتول.
السياب مازال قادرا على سرقة الأضواء إن كان على مستوى تكريس ريادته للشعر الحر أو على صعيد طاقته الشعرية الهائلة التي لاتزال معينا ينهل منه الشعراء في كل الأجيال التي تلته. مع ذلك فإن هذا الشاعر الفذ الذي وضع إسمه على يافطة مستشفى كان بأمس الحاجة الى سرير من مشفى عادي يتعالج فيه. لا المتنبي و لا السياب مسؤولان عن التاريخ. كل واحد منهما عاش زمانه راضيا أم ساخطا. بالغ المتنبي كثيرا في قضية الزمن ” أريد من زمني ذا أن يبلغني .. ماليس يبلغه من نفسه الزمن”. لكن السياب ربط الزمن بما يعانيه من الآم وأمراض قبل 60 عاما من بناء مستشفى بإسمه “لك الحمد مهما إستطال البلاء ومهما إستبد الألم .. لكن الحمد إن الرزايا عطاء وأن المصيبات بعض الكرم”. وإذا كان المتنبي طموحا وقد عبر عن ذلك في شعره الذي سعى من خلاله الى بناء مجده ليس على مستوى المخيلة وإنما على أرض الواقع, فإن السياب لم يكن لديه خارج مجال القصيدة أي طموح شخصي. ففيما وجد المتنبي نفسه محتدما في صراع البلاط مع شعراء وكتاب وحساد بمن فيهم إبن عم سيف الدولة وخصم المتنبي أبو فراس الحمداني وهو شاعر فحل ومجيد أيضا, فإن السياب لم يبحث حتى عن مجال تنافسي على صعيد ولادة قصيدة التفعيلة مع مجايليه عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة. وكلا البياتي والملائكة حاولا البحث عن دائرة أوسع لتبيان دورهما في حركة الشعر الحر فإن السياب الذي داهمته الأمراض وهو في عز شبابه بقي يتابع همومه الشخصية الصغيرة فيما تكفل شعره تكريس مساهمته التي كانت ولا تزال الأكثر أهمية مع أن كلا من البياتي والملائكة عاشا بعده نحو ثلاثة عقود. مات السياب في عز الشباب ومات عبد الوهاب ونازك في عز الشيخوخة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى