آراء

تجارب حياتية… منصور الجمري (22)

في يناير 2005، تم تعيين الدكتور محمد عبدالغفار وزيرا للاعلام، بالاضافة الى منصب وزير الدولة للشئون الخارجية، واصبحت العلاقة مع الصحافة اكثر نفتاحا من ذي قبل. لكن الأوضاع كانت تتوتر في جوانب اخرى بسبب التقلبات النفسية والاجتماعية التي زادت بسبب ما يجري في العراق في 2004 وستستمر في التوتر أكثر عندما تم تفجير ضريح العسكريين في سامراء بالعراق في 22 فبراير 2006، مما أدى إلى اشتعال الفتنة الطائفية في العراق، وانعكس ذلك على البحرين وغيرها من بلدان المنطقة.
في تلك الفترة، كانت هناك دعوات صريحة لانطلاق اجندات تدافع عن الطوائف بدلا من الاوطان، وكانت النقاشات منفلتة في بعض الاحيان، وكانت تنطلق من كل جانب. بعض تلك النقاشات، كما ذكرنا، ايجابي، وبعضها يأتي في سياق المزايدات المتوقع كثرتها عندما تنفسح اجواء من حرية التعبير. وفي تلك الفترة كانت المنتديات الالكترونية تؤثر كثيرا على الرأي العام، وكانت منتشرة بصورة كبيرة (وذلك قبل ان يبدأ زمن مواقع التواصل الاجتماعي). كان بأمكان اشخاص الدخول بأسماء وهمية والتحدث عن اي موضوع، بعضها صحيح والاخر مختلق ويعتمد على الاشاعات، او انه يبث الاشاعات والأقاويل وذلك رغبة في النيل من الاخرين.
في 21 مايو 2006، طردت الجهات الرسمية مدير المعهد الوطني الديمقراطي (NDI) فوزي جوليد (الأميركي الجنسية والصومالي الأصل) من البحرين،، وكان قد قدم الى البحرين في 2002 من أجل مساندة المشروع الاصلاحي فيما يخص نشاطات المجتمع المدني والانتخابات البلدية والنيابية. وكانت الحكومة قد أسست في منتصف 2005 “معهد البحرين للتنمية السياسية”، وكان من أوائل قرارات المعهد تجميد عمل جوليد. وفي 21 مايو 2006 كذلك، أعلنت ادارة مسئولة عن الانتخابات ان الحكومة عازمة على استخدام تقنية التصويت الالكتروني في انتخابات 2006، مما أدى الى احتجاج الجمعيات السياسية، وفي نهاية السجال تم تأجيل العمل بالتصويت الالكتروني.
وفي 13 سبتمبر 2006 أبعدت السلطات مستشارا كان يعمل لدى الحكومة (صلاح البندر وهو بريطاني الجنسية وسوداني الأصل) عن البحرين بعد ان اعتقلته وحققت معه في مبنى النيابة العامة، وقالت النيابة ان تحقيقاتها كشفت ان صاحب التقرير ارتكب “جرائم ومخالفات من شأنها الاضرار بمصالح مملكة البحرين وشعبها اذ ثبت بالتحقيقات قيامه باعطاء معلومات خاطئة عن شعب مملكة البحرين بقصد اثارة الفتنة بين شعب مملكة البحرين الواحد والاستفادة المادية الشخصية له من جراء ذلك. وكانت المعلومات التي نشرها المستشار عبر الوسائل الالكترونية قد خلقت جوا مختلفا عن ذي قبل في البحرين، وبدأت الامور تأخذ مسار مختلف بعد ذلك، اذ انها اصبحت الشغل الشاغل للناس في كل مكان، واصبحت المعلومات التي نشرت في كل كان مرجعا لكل طرف ضمن السجال الذي كان يجري آنذاك.
وفي هذه الاثناء دخلت جمعية الوفاق الانتخابات النيابية، وفي 2 ديسمبر 2006، بدا واضحا ان جمعية الوفاق فازت بجميع المقاعد التي نافست فيها، وعددها 18 نائبا، من اصل 40 نائبا، وبدأت الاستعدادت لمجلس نيابي مختلف عن السابق، بسبب دخول نواب المعارضة التي كانت قد قاطعت انتخابات برلمان 2002.
وفي حوالي الثامنة من صباح 18 ديسمبر 2006، استلمت مكالمة من اخي الاكبر، محمد جميل، وكان صوته حزينا جدا، ويخبرني، بنبأ وفاة الوالد الشيخ عبدالامير الجمري في صباح ذلك اليوم، وان العائلة بانتظار الاسعاف لنقله الى المستشفى. كان الوالد قد اصيب بجلطتين في الدماغ في منتصف 2002، وظل طريح الفراش، وفي المستشفيات الالمانية والسعودية والبحرينية، وثم تم تحويل غرفة في المنزل الى ما يشبه غرفة المستشفى، مع ممرض دائم بجاوره، وكانت صحته تتدهور تدريجيا، حتى فارق الدنيا في ذلك اليوم البارد جدا، والمصحوب بالمطر، وكان يوما قاسيا. وما ان انتشر الخبر، واذا بالناس تتوافد من كل مكان، اصبح شارع البديع مملوءا عن بكرة ابيه، من شرقه الى غربه، بالناس من كل جانب. كانت العائلة تسعى الى تجهيز الوالد في مقبرة بني جمرة، ولكن ذلك اصبح مستحيلا لأن المكان اصبح مملوءا، ولم يكن بالامكان الدفن في العصر، لأن الناس في كل مكان. ولذا تم نقل جثمان الوالد سرا من بني جمرة (بعد تغسيله)، بالسيارة على شارع النخيل، الى مزرعة في كرانة، وظلت السيارة مخفية حتى ما بعد المغرب، وخرجت السيارة (من نوع فورد، أكبر حجم) والتي كانت تحمل الجنازة، نحو دوار كرانة وثم دوار جنوسان (وكانت شرطة المرور تحاول فتح الطريق)، وكان الدوار ممتلئا بالناس وكأنهم قطعة بشرية واحدة. كنت بداخل السيارة الكبيرة مع بعض الاخوة، وكان تحريكها قد تعطلت بالكامل، واصبحت تسير بحسب رغبة الناس المحيطين بها. وقد استغرقت السيارة نحو ساعتين لكي تصل الى مقبرة بني جمرة، وعند مدخل بني جمرة، استلم المشيعون الجنازة، وكانت المقبرة مملوءة بصورة لم تشهدها من قبل. لقد ساهم الترتيب في السيطرة قليلا على التشييع، وكانت المراسيم فريدة من نوعها، وحجم التشييع كان الأضخم في تاريخ البحرين.
من المهم التطرق الى الوضع الدولي المؤثر على منطقة غرب آسيا (ما يسمى بالشرق الأوسط) في 2006، وذلك لأن السياسة الامريكية، وتبعاتها، تؤثر بصورة مباشرة على مجريات الامور في المنطقة. وكما ذكرت سابقا، فأن مشروع الشرق الأوسط الكبير (منتدى المستقبل) كان الهدف منه “دمقرطة” الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة في المنطقة. وعلى الرغم ان امريكا ادخلت معها في هذا المشروع مجموعة الدول الصناعية الثماني، وكذلك أدخلت حلف الناتو ونادي الأغنياء (منظمة OECD)، ومنتدى دافوس، وغيرها من المؤسسات الدولية، الا ان المشروع انتهى بالفشل الذريع بعد سنتين من انطلاقه. وحتى الحكومات الصديقة في المنطقة بدأت تصرح علانية ضده وتضع الخطط الكفيلة بجعل تنفيذه من المهمات المستحيلة.
وفي منتصف 2006 تخلت أمريكا عمليا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير (كان قد انطلق في منتصف 2004)، عندما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس بداية “الشرق الأوسط الجديد”، (وكانت في لبنان للوساطة بشأن إنهاء التوغل والعدوان الإسرائيلي الذي فشل في اقتلاع او تدمير حزب الله). وقالت رايس من لبنان: “ما نراه هنا، بمعنى ما، هو آلام الولادة لشرق أوسط جديد، وفي كل ما نفعله علينا أن نكون على يقين أننا ندفع قدمًا نحو الشرق الأوسط الجديد وليس العودة إلى القديم”. قدمت رايس مشروع “الشرق الأوسط الجديد” بانه سيعتمد على محور “واشنطن-تل أبيب”، وان لبنان سيكون نقطة الألم ونقطة التحول لإعادة تنظيم الشرق الأوسط بأكمله، عبر إطلاق العنان لما أسمته ب “الفوضى الخلاقة”.
كان السياسيون في واشنطن قد بدأوا فعلا يتدارسون البدائل، ومن بين الخيارات كان ما طرحته “لجنة بيكر-هاملتون”، وهي لجنة مؤلفة من عشرة أشخاص من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، عينهم الكونغرس الامريكي في 15 مارس 2006 لتقييم الوضع في المنطقة نتيجة للحرب على العراق واقتراح التوصيات. وترأس اللجنة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر (وزير الخارجية في فترة الرئيس جورج بوش الاب)، وعضو الكونغرس الديمقراطي السابق، لي هاملتون. وصدر التقرير النهائي في 6 ديسمبر 2006، ووصف الوضع في العراق بأنه “خطير ومتدهور”، وأوصى بإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، وعقد صفقة معها، وكذلك فتح القنوات مع سوريا لتهدئة الوضع في لبنان، والبدء بانسحاب تدريجي للقوات القتالية الأمريكية من العراق. كما وصف التقرير الوضع في أفغانستان بأنه “كارثي” لدرجة أن أمريكا قد تحتاج إلى تحويل قوات من العراق الى افغانستان من أجل المساعدة في الأستقرار هناك.
لقد كان واضحا لمن راجعوا السياسية الامريكية في غرب آسيا، أنه وبعد الإطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في 2003 واستلام الإسلاميون الشيعة (بسبب أغلبيتهم الديموغرافية) السلطة في العراق حدثت تداعيات كثيرة، وأدت الى اشتعال التوتر الطائفي في المنطقة. وقد وجد الامريكان أن هناك من كان يفضل بقاء صدام حسين ضعيفا في اعقاب تحرير الكويت في 1991، على ان يتسلم العراق الجماعات التي استلمتها بعد اسقاط صدام. لقد احدث الغزو الامريكي زعزعة كبيرة في ميزان القوى في المنطقة، كما ان الانتخابات التي كانت ترعاها امريكا وجرت في يناير 2005 حققت سيناريو الرعب عندما تم الاحتكام للأصوات بحسب أحجامها الديمغرافية في العراق، وهذا اوضح ان ما تدعوا له امريكا جاء بنتائج غير معتادة في المنطقة.
وردا على توصيات “لجنة بيكر-هاملتون”، قال الرئيس بوش الابن إنه لن يقبل كل توصية من اللجنة، لكنه وعد بأنه سيأخذ التقريرعلى محمل الجد، وانه في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، فأنه لن يتحدث مع إيران إلا إذا علقت تخصيب اليورانيوم… (ستنتهي رئاسة بوش الابن في 2008، وسيبدأ عهد الرئيس باراك أوباما بعد ذلك، وستجد عددا من توصيات اللجنة فرصتها للتنفيذ من أجل المساعدة في اعادة تموضع الوجود الامريكي للانتقال والتركيز على شرق آسيا، حيث ستصبح تلك المنطقة الأهم اقتصاديا وسياسيا، كلما اقتربنا من منتصف القرن الحادي والعشرين).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى