آراء

تجارب حياتية… منصور الجمري (23)

الاشهر الختامية لسنة 2006 كانت تختتم مرحلة مهمة من تاريخ بدأ مطلع 2001 بانفتاح سياسي غير متوقع، وشهدت نقلة نوعية في الحياة العامة، بحيث تغير وجه البحرين سريعا. بدأت الامور تتغير في هذه السنة، وكنت في مكتبي (اكتوبر 2006) في صحيفة الوسط، الذي كان يطل مباشرة على شارع البديع (عند مداخل جنوسان وابوصيبع والشاخورة)، عندما سمعت شعارات شديدة (لم اسمعها من قبل) ضد السلطة. نظرت من النافذة، واذا بمجموعة من الاشخاص (نحو 100 شخص) مكشوفي الوجوه (دون خشية ان تتعرف عليهم الجهات الامنية) يملأهم الغضب بسبب ما قرأوه من تقارير تنسب لمستشار الحكومة السابق، صلاح البندر، وما اطلق عليه احيانا ب”التقرير المثير”.
كانت تلك الشعارات الخشنة اشعارا بخروج جماعات من المعارضة عن ما تم تأسيسه في 2001، وذلك بعد ان قرأوا ما ورد في التقرير المثير، ولم يعد الاتفاق السابق حول سقف الشعارات السياسية يعنيهم في شيء. في الوقت ذاته كانت هناك اختلافات رئيسية حول ما ورد في الميثاق، والمرحلة الجديدة التي دخلتها البحرين في هذه الفترة تشمل الاختلاف على العناوين الرئيسية قبل التفاصيل، وذلك في اشارة الى ان أجواء الثقة بدأت تتبدد بسبب المفعول السام لما تم نشره في التقرير المثير بصورة واسعة جدا. التوجه الرسمي حينذاك كان يتجه نحو تجاهل الموضوع او نفيه، ولكن على ارض الواقع، فان مرحلة سياسية جديدة بدأت تتحرك فعلا على الارض.
احد اهم الملفات التي خلقت، ولازالت تخلق، الكثير من اللغط، وتفسح المجال لتشديد الخطابات السياسية المعارضة، كان ملف التجنيس. فاعتبارًا من أواخر التسعينيات من القرن العشرين، ظلت معدلات النمو الديموغرافي للمواطنين في البحرين ثابتة نسبيًا عند حوالي 2.4 في المائة سنويًا وذلك لسنوات عديدة ومتتالية. ولكن الاحصاءات السكانية بين 2001 و 2007 (التي كانت تنشر حينذاك) اوضحت بان النمو في عدد المواطنين صعد الى نحو 5.1 في المئة سنويا، وجاء التقرير المثير ليضع اطارا يشرح من خلاله اسباب تلك الزيادة الملحوظة.
كانت جمعية الوفاق في 2006 تسعى لاثبات ان بالامكان تحريك اجندة اصلاحية ترضي جماهيرها من داخل البرلمان، ولكن كان عليها ايضا ان تتعامل مع تداعيات خطيرة تتعلق بالتجنيس ومواضيع اخرى. غضت جمعية الوفاق الطرف عن ماجاء في التقرير المثير، ودخلت مجلس النواب في الانتخابات التي جرت في نهاية 2006، وفازت ب 18 مقعد من اصل 40 في مجلس النواب، وبدأت تتحسس نقاط اتفاقها واختلافها مع النواب الاخرين، ووجدت ان ما يوحدهم مع غيرهم هو مكافحة الفساد، وحفظ المال العام، ودعم الخدمات المباشرة للناس. وعلى اساس ذلك، تحركت الوفاق داخل البرلمان بحرفية سياسية مشهود لها، واستطاعت توحيد مواقفها مع نواب المنبر الاسلامي (الاخوان) ونواب جمعية الاصالة (السلف). كان تحرك الوفاق خارج البرلمان يختلف عن داخل البرلمان، لان التحديات والمنافسين كانوا يختلفون.
في 12 يناير 2008 قام الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بأول زيارة رئاسية امريكية للبحرين، وجاء في البيان الصحافي الصادر عن البيت الابيض ان الرئيس بوش قال عند وصوله “جلالة الملك، شكراً جزيلاً لمنحي هذا الوسام، فأنا الأكثر تكريمًا. أنا أقبلها نيابة عن شعب الولايات المتحدة الأمريكية، كما أشكرك أنت وولي العهد ورئيس الوزراء على كرم ضيافتكم. يشرفني حقًا أن أكون أول رئيس أمريكي يزور بلدكم. ربما يجب أن أقول، لقد حان الوقت”. واضاف “الشعب الأمريكي تربطه صداقة طويلة مع شعب البحرين. لعقود من الزمان ، رحبت البحرين بالبحرية الأمريكية – وهي الآن موطن لأسطولنا الخامس. قبل عامين، كان من دواعي سروري التوقيع على تشريع عزز صداقتنا وعلاقتنا باتفاقية التجارة الحرة مع البحرين – إنها أول اتفاقية أمريكية من نوعها مع أي دولة في الخليج. تساعد هذه الاتفاقية في تمهيد الطريق لتجارة أكثر حرية وعدالة بين بلدينا – حتى نتمكن من خلق فرص عمل وفرص ونأمل في أراضينا. تشترك دولتانا في رؤية مشتركة لمستقبل الشرق الأوسط. من خلال تحالفنا، نشارك في أعباء ومخاطر الحفاظ على الأمن، وكذلك الدفاع عن الحرية في جميع أنحاء المنطقة. كما نؤمن بقوة الإصلاح الديمقراطي.”
واضاف “جلالة الملك، أنا أقدر حقيقة أنك في طليعة توفير الأمل للناس من خلال الديمقراطية. لقد أجرت أمتك انتخابات حرة مرتين منذ عام 2000 – وفي عام 2006 ، انتخب شعبك امرأة في البرلمان. إصلاحات البحرين تجعل أمتك أقوى. أنت تُظهر قيادة قوية، وأنت تُظهر الطريق إلى الأمام للدول الأخرى. إنني أتطلع إلى لقاءاتنا في وقت لاحق اليوم. إنني أتطلع إلى مناقشة كيف يمكننا الاستمرار في دفع عجلة السلام في الشرق الأوسط. إنني أتطلع إلى أن أشارككم خبراتي التي مررت بها في إسرائيل والأراضي الفلسطينية. إنني أتطلع إلى الحديث عن كيف يمكننا الاستمرار في ضمان الأمن في الخليج. معا سنستمر في تعزيز صداقتنا وتعاوننا ، وأنا فخور لوجودي معكم”.
كنت ضمن الوفد الصحافي الذي القى التحية على جلالة الملك والرئيس الامريكي، وعندما اقتربت للسلام، قال جلالة الملك للرئيس الامريكي جملة باللغة الانجليزية “هذا الدكتور منصور الجمري رئيس تحرير صحيفة الوسط الناقدة”. شكرت جلالته وسلمت عليه وعلى الرئيس الامريكي، وكان الحفل مليئا بالعديد من المراسيم الاحتفالية.
في 2008 كثرت التعيينات والتغييرات في الوزارات وديوان الخدمة المدنية والهيئات العديدة ذات الصلاحيات التنفيذية، وتلك التعيينات جاءت بطبقة جديدة ونافذة من المسئولين، ولقد كتبت عمودا ونشرته في الوسط عن “طبقة المسئولين الجدد”، والذين لم يكونوا معروفين في فترة التغييرات الكبيرة التي شهدتها البحرين في 2001. كما صدرت قرارات اعطت صلاحيات تنفيذية اكبر للهيئات الحكومية، وهذه الهيئات خارج الوزارات، ومسئوليها يمتلكون صلاحيات مماثلة او حتى اكبر مما يمتلكه الوزراء. وبحسب دستور 2002 لا يمكن مساءلتهم في مجلس النواب، اذ يتم تعيين وزير يمثلهم اسميا للتواصل مع النواب.
كانت الاوضاع بصورة عامة تتجه نحو التأثير على “الثقة” التي تأسست في 2001 بين الحكومة والمعارضة ومختلف فئات المجتمع، وبدا ان الامور تسير نحو العودة الى الماضي مع ازدياد حالات كنا نتصور اننا ودعناها منذ سنوات. في مطلع 2009 بدا من خلال الكتابات الصحافية والقرارات والنشاطات ان فجوة بدأت تتسع بسبب انحسار مستوى الثقة، وان هناك خطابا طائفيا متصاعدا، وتمترس تلك الخطابات الطائفية حول قضايا متناقضة، وبدأ يترسخ واقعا مختلفا عن ما تصوره الكثيرون في بداية الاصلاح السياسي.
على المستوى الصحافي، كنت قد زرت الصحف البريطانية الرئيسية (التايمز، الفايننشال تايمز، الدايلي ميل، الغارديان، الاندبندنت، الدايلي تليغراف، المانشستر ايفنينغ نيوز) في نهاية 2008، وعندما رجعت الى البحرين اخبرت هيئة التحرير ان المشهد الاعلامي سيتغير وان الصحف الورقية ستنتهي، وان المنتجات الصوتية والفيديو والبث الرقمي الحي والبرامج التفاعلية والالعاب الرقمية ستقضي على الصحافة الورقية خلال السنوات المقبلة، وكنت قد نقلت بعض من الخبرات والنماذج والبرامج التي شاهدتها في الصحف البريطانية الى هيئة التحرير، وبدأنا بالفعل في انتاج المحتوى الصوتي والمحتويات الرقمية الاخرى.
لكننا تفاجأنا ان وزارة الاعلام رفضت قيام الوسط بطرح الخدمات الاعلامية الرقمية، وطلبوا ان تكون هناك رخصة لكل وسيلة رقمية وان يكون المسئول عن كل واحدة منها شخص مختلف وان نملأ استمارات تجدد سنويا. اكتشفنا لاحقا اننا كنا الوحيدين الذين طبقت عليهم تلك القرارات، وعندما سألت زملاء في الصحف الاخرى وكانت صحفهم قد ادرجت ضمن المرخصين بنشر منتجات رقمية (رغم انه لم تكن لديهم اي منتجات رقمية في تلك الفترة ) وأكدوا انهم لم يملأوا اي استمارة.
كتبت رسالة الى وزارة الاعلام في 13 مارس 2010، تضمنت تفصيلا لميّزات وخيارات وتسهيلات موقع صحيفة الوسط الالكترونية، باحتوائه على “جميع المنتجات متعدّدة الوسائط بحسب ما يسمح به قانون رقم (47) لسنة 2002 (المادة الثالثة)، بشأن تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، والتي تنصّ على أنواع المطبوعات المشمولة بالقانون: الكتابات أو الرسوم أو المؤلفات المُغنّاة أو الصور أو وعاء المنتجات السمعية أو السمعية البصرية، أو غيرها من وسائل التعبير مما هو مطبوع أو مرسوم أو مصوّر أو مسجّل بأية طريقة من الطرق؛ بما فيها الطرق الالكترونية أو الرقمية؛ أو مما هو قابل للثبوت على دعامة؛ أو محفوظ في أوعية حافظة ممغنطة؛ أو إلكترونية؛ أو أية وسيلة تقنية جديدة متى كانت مُعدّة وقابلة للتداول”.
وبعد مفاوضات عسيرة مع وزارة الاعلام، في 22 مارس 2009، منحت إدارة المطبوعات والنشر بوزارة الثقافة والإعلام وقتها، ترخيصًا لصحيفة الوسط الالكترونية لنشر صوتيات قصيرة المدة ولاتبث مباشرة. ولم تمضِ فترة وجيزة حتى استحوذ موقع الصحيفة على شبكة الانترنت، على اهتمام ومتابعة القرّاء من داخل البحرين وخارجها، وأظهر تفاعل القرّاء مع الموضوعات والأخبار والتحقيقات والأعمدة، القاعدة الشعبية والعريضة التي تتمتّع بها الصحيفة، لحرصها وتأكيدها على الصدقية وتبنّي الملفات والقضايا الكبرى، التي نأت معظم الصحف عن الدنوّ منها؛ عدا تناولها.
ادى اتساع القاعدة الشعبية للصحيفة وموقعها الالكتروني الى فتح أمامها جبهات رصد واستهداف جديدة، امتدت لحملات استهداف؛ الأمر الذي ستبدأ معه مشكلات لها أول وليس لها آخر.
على المستوى الشعبي، كان هناك تواصل مع فعاليات لا تنتمي للجمعيات السياسية في محاولة لردم الفجوة الآخذة في التوسع بين الحكومة والمعارضة، ورأيت ان من واجبي المشاركة في حلحلة الامور. شاركت في نقاشات بهذا الشأن، وتم الاتفاق على كتابة رسالة الى جلالة الملك وان توقعها شخصيات خارج اطار الجمعيات السياسية، وكانت الرسالة كالتالي:
“التاريخ: 12 / 3 / 2009
حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة
ملك مملكة البحرين المفدى، حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بمناسبة مرور عشرة أعوام على تسلم جلالتكم مقاليد الحكم، فإننا نرفع لجلالتكم أسمى آيات التهاني الصادرة من قلوب عامرة بالحب والولاء لهذا الوطن ومليكنا المحبوب ولشعب البحرين الذي يتطلع لحياة كريمة ومستقبل زاهر في ظل عهدكم الميمون.
صاحب الجلالة
فإن الموقعين على هذا الخطاب المرفوع لجلالتكم هم كما تعلمون أفراد من الشعب ليس لهم دافع في ركوب هذا المركب غير محبتهم لوطنهم وإخلاصهم لقيادتكم الرشيدة. وإن الغاية التي جمعتنا هي دعم مسيرة الإصلاح والهدف الرئيسي هو السعي إلى التهدئة والاستقرار، والمرجع الأول لتحقيق أملنا فيما نصبو إليه هو جلالة مليكنا المحبوب، فليس لنا مرجع غير جلالتكم، نلوذ بحماه ونستظل بعطفه وحكمته وقيادته في هذا الشأن بعد التوكل على الله… ونحن على ثقة بأن سعة صدركم لتقبل مختلف الآراء، وعزم جلالتكم الأكيد على تنفيذ المشروع الإصلاحي لمملكة البحرين المستند إلى ميثاق العمل الوطني والدستور ستقود وطننا الحبيب وشعبها إلى شاطئ الآمان والازدهار.
إن وجهة نظرنا المتواضعة لمعنى التهدئة العامة تتلخص في معالجة الاحتقانات وأسبابها والتوترات وإفرازاتها الضارة في مجال تسيير الشأن العام، بحيث يتدعم المشروع الإصلاحي بعناصر النجاح، ومن أهمها التجاوب الرسمي والشعبي لهذا المشروع والحماس لتطبيقه من خلال نتائجه الملموسة في حياة المواطنين ومعالجة معاناتهم اليومية وضمان حرياتهم الشخصية والعامة.
وبعون الله ثم حكمة جلالتكم فإن معالجة تلك الاحتقانات بمبادرة ريادية سوف تقود إلى وضع الأمور في نصابها، تماما كما فعلتم جلالتكم من قبل.
ونحن نعلم أنه ليس من صلاحياتنا أن نعرض الحلول أو نناقش في أمور تفصيلية، لأننا موقنون بأن جلالتكم أعرف بها منا، ولكننا نستأذنكم في استعراض بعض من تلك الاحتقانات.
ففي الشأن الاقتصادي والخدماتي، نرى أن التنمية الاقتصادية ومشاريع جذب الاستثمارات هي جزء أساسي في المشروع الإصلاحي لجلالتكم. وإن لكل مشروع جوانب إيجابية وأخرى سلبية تتطلب معالجتها، وذلك خشية من تهميش الجانب الإنساني المتمثل في إتاحة الفرص للمواطنين للاستفادة بصورة ملموسة من تلك المشاريع، مما ينعكس مباشرة على تحسين ظروف المعيشة لهم كتوفير العمل اللائق والسكن الملائم. إن تأخير مشاريع الإسكان الكبرى أدى إلى أزمة إسكانية خانقة تواجه هذا الجيل، وستتفاقم أكثر مع الأجيال القادمة.
لقد أدى الضغط على الخدمات العامة، بسبب الازدياد الكبير في عدد السكان إلى بروز أثار سلبية على المواطنين، ونرى أن تلك الآثار واضحة في تعثر مشاريع الإسكان وامتدادات القرى، والتنازع على أراضي مشاريع الإسكان، واختفاء السواحل والشواطئ، وزيادة الإجراءات المعقدة في الدوائر الرسمية، هذا إضافة إلى استمرار مشاكل الفساد الإداري والمالي والمحسوبية ورواسب التفرقة بين المواطنين، كلها أدت إلى زيادة الاحتقانات في الفترة الأخيرة.
وفي الشأن السياسي، فإن أهم ركن في المشروع الإصلاحي لجلالتكم وهو توفير الحياة الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان وغيرها من الحريات العامة التي تضمنها ميثاق العمل الوطني ونظمها الدستور، ولكننا نرى أن هذه القضايا تعاني كثيرا من تضارب التفسيرات وتناقض التشريعات حولها، وأصبحت المؤسسات الدستورية ساحات للمنازعات والمزايدات بين مختلف الأطراف. والمعول عليه في إصلاح الشأن السياسي هو حكمة جلالتكم والشجاعة التي تتحلون بها في اتخاذ المبادرات الجذرية لمعالجة هذه الجوانب السلبية.
وفي الشأن الأمني، فان ما يحز في النفوس ويؤلمها هي ما يشهده الشارع البحريني من تجاوزات، ونعلن لجلالتكم بكل وضوح أننا ضد وسائل العنف، ولاشك أن المشروع الإصلاحي لجلالتكم، واستنادا لنصوص الميثاق والدستور قد أعطى كل ذي حق حقه، وكل ذي دور دوره، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني وقوى الأمن. ونود أن نذكر بهذا الخصوص أن مواجهة العنف بالعنف قد تتجاوز ردود الأفعال المباشرة إلى التأثير على المواطنين والمقيمين وتصل آثار العنف إلى مناطق سكناهم، ونخشى أن تتفاقم الأحداث الحالية ويزداد العنف وينعكس ذلك على أمن واستقرار وطننا الغالي، مما يؤثر أيضاً على طموحات التنمية الاقتصادية التي تتطلب أمنا واستقرارا للجميع.
وكما تعلمون جلالتكم فإن مواجهة العنف بالطرق الأمنية وحدها وتجاهل الأسباب التي تقف خلف تلك الأحداث أسلوب لم ينجح، بدليل ما يجري اليوم في دول وكيانات متعددة، ليست ببعيدة عن وطننا الحبيب، وبدليل ما شهدته البحرين سابقاً حيث تم تجاوز العنف بفضل مشروع جلالتكم الإصلاحي.
ونختم خطابنا يا صاحب الجلالة بالقول بأن معالجة الأوضاع والاحتقانات والاختناقات تستدعي حلاً جذريا ومبادرات تصحيحية من قبل جلالتكم، وهي كفيلة بتحقيق أهداف المشروع الإصلاحي الذي رسمتموه من أجل شعب البحرين بمختلف فئاته، ومن أجل حاضر البحرين وأجيالها المقبلة، ومن أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة المستدامة…
وفقكم الله إلى سبيل الخير وأصلح الله بكم البلاد والعباد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الموقعون: السيد تقي البحارنة، السيد جميل العلوي، السيد عبدالحسن بوحسين، السيد مجيد الزيرة، الدكتور حسن العريض، السيد جاسم عبدالعال، السيد تقي الزيرة، الدكتور منصور سرحان، الدكتور منصور الجمري، الدكتور حسين المهدي، السيد حسين العلوي، السيد عدنان الساري”.
بينما كانت الاختلافات الطائفية تشغل الشارع السياسي، ركزت الوفاق (الممثلة للاسلاميين الشيعة) داخل مجلس النواب على نقاط الالتقاء مع الاسلاميين السنة (المنبر والاصالة)، بشأن موازنة الحكومة، واملاك الدولة، والدفاع عن الخدمات التي يسعى لها المواطنون في الاسكان وفي تخفيف معاناة الغلاء، الخ. وتفاجأ الكثيرون كيف ان نواب الوفاق دافعوا عن اسكان شرق الحد، رغم ان الذين سيستفيدون منه ليسوا من الكتلة الانتخابية للوفاق.
المفاجأة الاكبر كانت اتفاق نواب الوفاق مع نواب السلف والاخوان على ملف “املاك الدولة”، وبدا وكأن هذه الكتل التي توقع الاخرون بانهم سيخنقون بعضهم الاخر، يتفقون على ملف استراتيجي، وهذا الاتفاق بدأ يفرض نفسه بقوة على الشأن العام. وسيستمر هذا التوافق حتى نهاية 2009 ومطلع 2010، ولكنه سينكسر امام موجة اعلامية مضادة للوفاق بدأت مطلع 2010، وكانت الحجة حينذاك، ان جمعية الوفاق تخطت كل الخطوط الحمراء عبر عقدها مؤتمرها العام في نادي طيران الخليج. وذكرت تصريحات لاحقة انه ليس من حق اي جمعية سياسية ان تتواصل مع اي جهة دبلوماسية او من خارج البحرين الا برخصة وزارة الخارجية، وان وزارة العدل (المسئولة عن الجمعيات السياسية) من حقها اتخاذ قرارات تأديبية ضد اي جمعية سياسية تخالف ذلك.
هذه الاجواء السلبية ستستمر وتتصاعد الى مطلع اغسطس 2010، مع بداية شهر رمضان عندما عادت الى البحرين اجواء كنا نعتقد اننا ودعناها منذ 2001. ففي ذلك الشهر، حدثت اعتقالات واسعة شملت المرتبطين بحركة حق، مع نشر اعترافات متلفزة لاشخاص قالوا انهم كانوا يعيشون على “نفقة الدولة”، ولكنهم قاموا باعمال شنيعة ضد الدولة. وهذه اللغة كانت جديدة، اذ انها لم تستخدم حتى قبل 2001.
وصحافيا، ازدادت المضايقات على الوسط بصورة لم نلحظها من قبل، والضغط تمثل في اتصالات هاتفية شبه يومية والتدخل في طريقة نشرنا للاخبار، ووصل الامر في 16 سبتمبر 2010 الى منعنا من نشر تصريح للمتحدث باسم الخارجية الامريكية بشأن “سلسلة من الاعتقالات لشخصيات معارضة في البحرين في الايام الاخيرة”. المضايقات كانت قد ازدادت قبل ذلك، ففي 18 اغسطس 2010 عندما استلمنا قرارا من الاعلام بمنع الوسط من الاستمرار في تقديم الخدمات الرقمية والصوتية المتنوعة على موقعها الالكتروني. في الكتاب المذكور الذي أرسلته وزارة الاعلام، جاء فيه “وترغب (الوزارة) في لفت نظر سيادتكم إلى تضمّن المواقع الالكترونية لبعض الصحف البحرينية بين الحين والآخر، تعليقات مسيئة يدوّنها زوّار الموقع ويتم عرضها في تعليقات القراءة على المواضيع التي يتم نشرها في الموقع الالكتروني الخاص بالجريدة”. واضافت فقرة اخرى “ولا يخفى على سيادتكم ما تتضمنه بعض تلك لآراء من إساءة وقذف متعمّد لمسئولين وأصحاب قرار وشخصيات عامة في مملكة البحرين، وبرموز وطنية ودينية في دول صديقة ومجاورة؛ مما يتعارض ذلك مع قانون تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، وكذلك الأنظمة المعمول بها في هذا الشأن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى