آراء

تجارب حياتية… منصور الجمري (24)

كنت احد المعجبين بالعمود الساخر للصحافي خليفة حسن قاسم في صحيفة أخبار الخليج عند صدروها في 1976، والذي كان ينشره تحت عنوان “طاش ما طاش، إذا أصابك الراش، فاعلم بأنك خاش باش”، وكنا ننتظر ذلك العمود لنقرأه بشغف، لأنه كان يكسر حالة الجد الجافة في الكتابة. ولأنني عشت في بريطانيا لعقدين من الزمان فقد تعودت على متابعة الكتابات والبرامج الساخرة التي يبرع فيها البريطانيون.
فالادب الساخر يستخدم السخرية كأداة معرفية وعاطفية من أجل اختبار حدود ما يمكن التطرق اليه. كما ان السخرية أكثر تعقيدًا من الكلام المباشر الذي يمكن ان يعتبر تجاوزا لخطوط حمراء، وبالتالي يتمكن المرء من الافصاح عن امور بصورة مستبطنة او عبر كلمات وعبارات تحمل اكثر من معنى.
كما أن السخرية توصل الرسائل التي تعجز عن ايصالها الكتابات المباشرة، ويعتمد ذلك على فهم القارئ واستجابته للنقد الساخر والاستمتاع بالغموض والرموز التعبيرية. وعليه، فان الاعمدة الساخرة توفر فرصة للتعبير عن ملاحظات تتطلب من القارئ أن يفهم الدلالة منها في سياق الموقف المطروح. وتختلف وجهات النظر الثقافية حول السخرية والقبول بالادب الساخر، لأن قبوله او عدم قبوله يوضح مدى اتساع حرية التعبير في اي مجتمع.
وعليه، ومع صدور صحيفة الوسط في 7 سبتمبر 2002 بدأت بكتابة عمود ساخر يومي باسم “حظك يا مرزوق”، ولقد كتبت نحو 90 في المئة من الاعمدة تحت هذا الاسم، ولكنني عندما وجدت عدم تحمل البيئة للادب الساخر المطروح في العمود، قللت كتابة العمود الى مرة واحدة في الاسبوع، وثم اوقفته بعد نحو 3 سنوات من صدور الصحيفة.
كنت قد بدأت بنشر عمود “حظك يا مرزوق” منذ العدد الأول للتحدث باسم “جمعية من لا برج لهم (تحت التأسيس) – أكبر جمعية سياسية غير سياسية في البحرين”، وذلك على اساس ان الجمعيات الأخرى إما أن تكون سياسية أو غير سياسية. ولكن هذه الجمعية «سياسية غير سياسية» وعلى اساس أن أكثرية الشعب سياسيون رغم أنهم غير سياسيين. وأوضحت في احد الاعمدة الاولى “ويتذكر مرزوق الأيام الغابرة، أيام قانون أمن الدولة، وقبل أن يدشن عظمة الملك مشروع الإصلاح الذي أفرغ السجون وسمح باستعادة الحياة الاجتماعية وضعها الطبيعي. في تلك الأيام الغابرة اعتقل الصغير والكبير، ولم يبق أحد في البحرين إلا وأصبح خطرا سياسيا يلزم تطبيق قانون أمن الدولة ضده. هذا على رغم أن 99 في المئة من الذين دخلوا السجون لم يدرسوا السياسة في الجامعات ولم يشتركوا في احزاب سياسية منظمة على طريقة «بادر ماينهوف». فهؤلاء جميعهم كانوا «سياسيين غير سياسيين»، وكانوا وقود وقادة الحركة السياسية، ولكنهم لم يكونوا في يوم من الأيام قد فكروا مليا في دخول السياسة بصورة احترافية. بل ان السياسة فرضت نفسها عليهم، وتدخلت في حياتهم وعكرت مزاجهم، وعلى هذا الأساس تدخلوا في السياسة. بمعنى آخر، إن تدخلهم في السياسة كان اجباريا ولم يكن اختياريا.” واوضحت في عمود آخر أن مرزوق «منشغل» بالسياسة وهو يحاول ان «لا يشتغل» بها… وقضى وقتا طويلا يفكر فقط في «الانشغال»، ولكنه لا يستطيع التفريق بين «انشغال» و«اشتغال»، وكان ذلك تعقيبا على تصريح رسمي انه يحق للجمعيات السياسية الانشغال بالسياسة ولكن لا يحق لهم الاشتغال بها.
كان عمود “حظّك يا مرزوق” ينتهج – قدر المستطاع – الكتابة باللغة الدارجة أو العامية، واصبح محط متابعة واهتمام من قبل العديد من القراء والمتابعين وذلك لطبيعة الموضوعات القريبة من الناس، وبقدرة العمود على التعبير عن المؤجَّل أو المسكوت عنه، مع الانتقال السريع بين الموضوعات في العمود الواحد.
ورغم انني كنت ملتزما بكتابة عمود يومي جاد باسمي الصريح، ومتابعة تقارير الصحيفة بصورة يومية، الا انني وجدت هذا العمود الساخر يساعدني على تخطي الصعاب اليومية . ولكني ايضا وجدت لاحقا ان هناك تحسسا شديدا من السخرية، لا سيما وان الكثيرين اصبحوا يعرفون انني انا من اكتب العمود في العادة.
استلمنا خطابان من وزارة الاعلام في 6 وفي 18 سبتمبر 2004 من مدير إدارة المطبوعات والنشر، يطلب فيه الإفصاح عن الاسم الحقيقي لكاتب العمود وجاء في الخطاب الثاني “إلحاقًا بالخطاب الموجّه إلى عنايتكم بتاريخ 6 سبتمبر 2004، ووفقًا للمادة (55) من قانون تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، التي تنص فيما ورد ضمنها (… بشرط أن يقوم رئيس تحرير الصحيفة أو المحرّر المسئول – إن وُجد – بإبلاغ الإدارة بالاسم الحقيقي لصاحب التوقيع الرمزي أو المستعار إذا طلب منه ذلك)، وبناء على ما تقدم، فإن قطاع المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام قد تقدّم إليكم بطلب للإفادة بالاسم الحقيقي لصاحب التوقيع في صحيفتكم باسم (مرزوق)، إلا أنه لم يصل ردكم حتى تاريخه”.
تواصلت شفويا مع الوزارة، ولكنهم طلبوا ردا بصورة كتابية، وعلمت ان احد الوزراء يود رفع دعوى على الشخص الذي يكتب العمود، لانه اعتبر ما جاء فيه اعتداءا ساخرا على شخصه. وقمت بكتابة رسالة رسمية وابلغت وزارة الاعلام انني شخصيا من اكتب العمود. بعدها علمت ان الوزير الذي كان ينوي التقدم بشكوى قرر خلاف ذلك بعد ان عرف انني من كتبت ذلك العمود. كانت هذه الحادثة، وحوادث اخرى لاحقة اقنعتني بالتوقف عن كتابة او نشر العمود الذي استمر بعد ذلك لفترات متقطعة، وثم توقف بالكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى