آراء

جمهورية الواتساب

عبد الحميد الصائح يكتب لـ عراق اوبزيرفر

جمهورية الواتساب

الواتس آب نافذه لاموعد لها ولاشروط خصوصية على مستخدمها ، ولذلك تجد شخصا يتحدث في السياسة والحرب والاقتصاد وهو في بيجامته ، أويناقش في الدين والقانون وهو على مائدة طعام بجانبه الهاتف كلما وجَدَ تعليقاً رد عليه دون اكتراث لجدية الحوار، أو يترك أحداً ممن حوله يجيب عنه في مسألة هامة جداً، بل يصل الأمر الى أن مصير الوطن ومستقبله يناقشه أناس وهم بملابسهم الداخلية أو في حالات من ذهاب العقل أحياناً كما يحصل عادة ، فلاتمييز بين الجدي والهزْلي ، بين الموقف الرصين والملاحظة العابرة، بين جَسّ النبض الذي تسعى اليه البيانات الحزبية،وبين مراقبين من الأحزاب والكتل السياسية تكلفهم كتلهم حراساً على الواتس اب حيث يتصدون لأي انتقاد يمسّ حزبهم او رئيسهم مهما كانت موضوعيته.
يكفيك أن نطلع على عناوين المجموعات العامة والخاصة التي تنشأ بالآلاف يوميا لتكتشف أنّ كل شيء انضم الى (جمهورية الواتساب) مجتمعها ثقافتها مؤسساتها الصغيرة والكبيرة عشائرها ، مناطقها ، اديانها ، مذاهبها .نوابها ومحافظاتها حتى مراكزها البحثية ، وأصبح الحوار على الواتس آب من جدلٍ أو عراكٍ أو حراكٍ بديلاً للحوار المباشر، يؤخذ به في سياق التوافق أو التقاطع .. مما دفع بنائبة من احدى الكتل الكبيرة لأن تتذمّر علناً في حوار تلفزيوني من معاقبةِ كتلتها عقوبة (قاسية) وهي اخراجها من واتسآب التحالف لكونها أبدت وجهة نظر مخالفة .
وسيلة التواصل الاجتماعي هذه ليست وسيلة اتصال رسمية ولايمكن أن يُعتدَ بالآراء التي ترِد خلالها، لكونها تخرج من الناس وهم ليسوا في أوضاعٍ مناسبة، وليسوا في اتمّ الاستعداد الوظيفي وربما الذهني للحوار الذي تحكمه ضوابط وتأثير وبروتوكول اللقاء المباشر وتحديد المواعيد والتواصل الحي الذي تكون فيه الكلمة مسؤولية تامة، وليس له نمط من الملابس كتلك التي تناسب اجتماعاً أو سهرة او لقاء رسمياً أو حديثا في مقهى .
ولذلك كشف الواتسآب الكثير من الطباع السياسية، من مبالغات العراقيين في الشتيمة أو المديح أو التقلّب بين موقف وآخر برمشة عين . كشف كذلك عمق الطائفية والفئوية المتجذرة لدى الكثير ممن يعلنون عكس ذلك وهم في النور بينما يستأسدون ويتنمرون ويتآمرون في كروبات الواتساب . اراء بلا ملاح وكتابات بلا عمق وتسرع في اتخاذ القرارات ..بحيث ينام المتفقون ليصحوا في اليوم الثاني مختلفين وقد تغيرت التحالفات ليلا على الواتساب بعد ذهابهم للنوم مبتعدين (مؤقتا) عنه !!.
وبفعل حوارات الواتساب الليلية قد تخرج لنا قرارات في الصباح ، فالنقاش واثارة الموضوع عادة ما يسفر عن تاثر المؤسسات بنتائجه .
وقد تخسر صديقا أو حليفاً العمر كله لمجرد انك كنت منفعلاً وابديت تعليقاً لا يعجبه . فضلا عن أنّ مايكون بعضه مقبولاً في الحوار الخاص لايعد كذلك حين يطرح أمام المجموعة . فلكل مقام مقال .. ولايمكن أن أتجاوز عليك أمام الملأ واعتذر منك على الخاص .
وهنا لابد من وضع معايير لمدى الاعتماد الرسمي لما يجري على الواتساب .لاسيما حين يفقد هذا الصرح جدواه المتمثلة بتبادل المعلومات ونذهب به الى آراء بلا مقاييس وسلوك بلا ضوابط ،حتى لا يكون مصيرنا نحن المواطنين ومصير بلادنا وادارة مؤسساتنا رهين گروبات الواتساب ومؤامرات الليل والحلقات المغلقة التي اصبحت بديلا للحياة الطبيعية والمعاملات التي تحدث برعاية الشمس في وضح النهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى