آراء

خطبة الجمعة كما وردت من جامع الغضبة الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم..
الحمد لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله..
أما بعد..
فقد خنتم بلادكم أيما خيانة، وفتحتم أبوابها للقاصي والداني باستهانة، وتركتموها بأبوابٍ مُشرعة، وجيلَ بها بالجَلَبةِ والمعمعة، لأنكم أردتم أن تحموا أنفسكم من إخوانكم فاستعنتم بالغرباء، وارتأيتم أن تجدوا ما يجمعكم بهم فتتوحدون وإياهم، وبهذا خلقتم دينَ الزيف، وسننتم سُنن البغي، وحللتم للناس ما حرم الله كي يتبعوكم على غيرِ هدى، فازددتم بذلك كثرة، وصرتم به زمرة، وسلمتم نواصيكم بأيدي بؤرة الشر، وعونةَ الشِرك، حتى صار يُرى منكم ما لو سمع به رسولُ الله لقال إنكم قد خنتم الأمانة، وكفرتم بالرسالة، واستعصمتم بحبلِ سوءٍ غير حبل الله، فكان حقاً أن يضلكم الله بأن يترككم تتبعون لحايا الشر، ووجوه الفسق، ومن يضلل الله فلا هاديَ له.
لقد عدتم لعهد الجاهلية، وزمن ما قبل البعثة، حين كان الناسُ يعبدون ما لا ينفع ولا يضر ليتقربوا به إلى الله زلفى، سوى أنهم كانوا من أهل مكارم الأخلاق فأتمّها عليهم نبيهم، وها أنتم اليوم كما كانوا عليه من قبل سوى أنكم لستم حتى بأخلاقهم، دينكم الكذب، وأخلاقكم الفحش، وحلالكم الحرام، ورأيكم الفساد، وطبعكم الغدر، شبابكم عارم، وشيخكم فاسق، وليُكم سارق، ووضيعكم منافق، ولم تدعوا جحرَ مفسدةٍ إلا دخلتموه، تقاتلتم بما لم يدع حرمةً للنفس، وتسارقتم بما لم يدع حرمةً للمال، وتفاسدتم بما لم يدع حرمةً للمنازل، ترابيتم واكتلتم بالميزان، وتغادرتم وقتلتم النفس التي حرم الله، وأشرعتم أبوابكم لكل واغلٍ فوغل فيها، ومن أظلمُ على دين الله ممن أشرع بابه، وفتح محرابه، لجموع الغيلة والغدر، وقطعان الفساد والنهب، حتى ضعتم بينهم، وصار من يراكم في بلادكم ظنكم ضيوفاً بها وهم أهلُها.
أيا الناس، إن كتاب الله قد نُسي، وحلت محله أقاويلٌ تناقلتموها بغير علم، فتشتت جمعكم، وذهب رأيكم، وفشلت ريحكم، وكفرتم بنعم الله كي تؤمنوا بنعم غيره، ولو امتلك غيرهُ لنفسه نفعاً لنفع نفسه، أضعتم دينكم في كذب الأقاويل، وهدمتم دياركم خانعين أذلاء صاغرين، تتخيلون الاستكبار ولستم منه في شيء، وضربت عليكم الذلة والمسكنة وبئتم بغضبٍ من الله، فأمات زرعكم، وأفسد مائكم، وضاعف حرّكم، وأفقر نسلكم، حتى صرتم كمن ضرب الله مَثَلهم بقوله:
“وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا… قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَىٰ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ على مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا”.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، عسى أن تعودوا لدينكم وتنبذوا ما أنتم فيه، والله يهدي من يشاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى