آراء

دوامة الصمت

عبد الحميد الصائح يكتب لـ عراق أوبزيرفر

دوامة الصمت

عبد الحميد الصائح

(دوامة الصمت ) واحدة من نظريات الإعلام الشائعة حول مدى تاثير وسائل الاعلام في الرأي العام .. الذي ليس شائعاً هو كيف تشخص هذه النظرية قدرة الاعلام على التلاعب بالعقول وتهميش رأي الاقلية في القضايا التي تشغل المجتمعات، وكيف نكون اسرى لهذه الآلية الخطيرة دون ان ننتبه لذلك .

ترى اليزابيث نيومان الالمانية التي اطلقت نظريتها هذه عام 1981 ,ان الافراد عادة مايخشون من العزلة لذلك يميلون الى الانتماء الى الجماعة ، والانتماء الى الجماعة تقابله استحقاقات واحدة منها التنازل عن الاراء المخالفة لراي الاغلبية .. تقوم وسائل الاعلام بتحديد اوليات الجمهور فتروج وتضغط باتجاه قضايا واراء في قضايا ، ليصبح ماتقوم به فيذمقدمة اولويات الاغلبية السائدة . بحيث تتحول الاراء المخالفة لذلك الى مايشبه الشذوذ عن تلك الاولويات فيندفع الافراد المخالفون للتماهي مع الاغلبية مخفين اراءهم الحقيقية، منسجمين مع السائد خوفا من العزلة داخل المجتمع الذي حددت وسائل الاعلام اولوياته .

كم من مظاهر السلوك في مجتمعنا يعمل الاعلام على توجيهه بهذه الالية ، وكم من الجهود التي بذلت لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية من تغيير اولويات العالم .. وفي العراق تحديدا لعبت هذه النظرية دورا خطيرا في تضييق الخناق على قضايا عربية او عالمية او محلية ليبدو الحديث خارج السائد عنها ضربا من المغامرة ..حتى اصبح الحديث عن فلسطين مثلا امرا ( عتيقا) يثير التهكم او التذكير بالمقابر الجماعية في العراق تغريدا خارج السرب ، او الحديث عن رفحاء او سبايكر او حتى قضية الامام الحسين ، او تحويل الجناة الى ضحايا كما حدث في سجن ابو غريب . وغير ذلك .

المهم في الامر هنا ان وسائل الاعلام التي تقوم بهذا لاتاتي مواضيع مختلقة بل تستغل حوادث وسلوكيات اشخاص ونماذج منتقاة من الاخطاء ، لتسلط الضوء عليها بمبالغة عالية تهوّن هذا منها وتهوّل ذاك . فيصبح اي خطا في الدولة او المجتمع على يد سياسي او رجل دين او قرار غير مدروس او وثيقة غير منطقية، يصبح عينة وخميرة لاشاعة واسعة الانتشار ومادة لخلق اغلبية شعبية باتجاه المحتوى المطلوب ترويجه.. والاشاعة هنا نوعان ترويج اكاذيب وهذه قليلة التاثير لانها تنتهي باظهار الحقيقة ، لكن النوع الاكثر خطورة هو الاشاعات التي تعمل على اعداد الحقائق الناقصة او تعميم ماهو نادر وعابر .

لنرى مايحدث هذه الايام مع الانجاز الكبير الذي حققته البصرة ومحافظها واهلها وفريق كرة القدم وكادره الاداري واللحمة الشعبية غير المسبوقة التي انتجها . نلاحظ كيف يتم التركيز بكثافة على طبيعة الزيارات واللقاءات والهدايا وهو امر طبيعي يريد الناجحون ان يجعلوا من انجازهم عابرا للخلافات والسجالات السياسية ، يلبون دعوات الجميع دون استثناء .. وهي ظاهرة قد تحتمل الراي والراي المخالف ، لكن ترويجها بطريقة تغطي على اهمية الانجاز وجوهر الفعل الذي حدث وتأثيره المستقبلي امر مدروس حتما . فالمتربصون النافذون لن يقفوا مكتوفي الافكار والمبادرات ضد كل ماهو ايجابي ويدعو الى الامل ، والبعض ينساق مع ذلك دون وعي ودون انتباه لهذا التخطيط المريب . فكل شيء يحدث ايها السادة ليس اعتباطا ، البعض يساهم فيه دون ان يدري من يوظفه ومن يعمل عليه ومن ذا الذي يقف وراءه .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى