آراء

د. عبد الباسط تركي سعيد يكتب لـ عراق اوبزيرفر ومرة أخرى في سعر الصرف ولن تكون الأخيرة

آراء / عراق اوبزيرفر

د. عبد الباسط تركي سعيد يكتب لـ عراق اوبزيرفر

ومرة أخرى في سعر الصرف ولن تكون الأخيرة

أثناء الاجتماعات التي كنت اعقدها عندما كنت مكلف بإدارة البنك المركزي العراقي التقيت بأحد زملائي القدامى في وزارة المالية وكان من الأشخاص الذين اعدهم ذوي دراية في السياسة المالية والنقدية، وبعد انتهاء الاجتماع انفردت به جانبا واستفسرت عن رأيه في تعديل سعر الصرف، قال لي انه لا يؤيد فكرة تغيير سعر الصرف لأن الاقتصاد العراقي اقتصاد استيرادي وبالتالي فإن الذهاب إلى تغيير سعر الصرف سوف لن يؤدي إلا الى المزيد من المشاكل وليس الحلول كانت إجابته لي صادمة، وعندها غيرت الحديث إلى موضوع آخر وتواعدنا وزميلي الذي بقى زميلي قديم، ‏تذكرت ذلك خلال فترة قريبة عندما شكى لي احد الاصدقاء بان كل الأسعار بما فيها المنتجات المحلية تتغير باتجاه الصعود بتغير سعر صرف الدولار، أي عندما تنخفض قيمة الدينار العراقي وكان يرى أن السبب الوحيد وراء ذلك هو الجشع أو الرغبة في الحصول على أرباح استثنائية رغم انه يعلم ان العراق الآن يستورد كل شيء تقريبا، وهو من جانب اخر يعتمد أيضا في إنتاجه وتكوين داخله القومي على صادراته من النفط إلى حد استثنائي أيضا وبالتالي فإن نشاطه إنتاجي هو نشاط لاستجلاب العملة الأجنبية، ‏وليس بالضرورة ان يكون وراء كل ارتفاع في الأسعار ما يفسر بالجشع أو محاولة الحصول على ارباح استثنائية مع ان من البديهي أن يسعى ذوي النشاط الخاص إلى مزيدا من الأرباح (ما لم تتجاوز الثوابت المجتمعية).
ولكن ما لم يدركه صاحبي أن سعر الصرف للدينار العراقي قياساً بالعملة الاجنبية في العراق‏ هو لا ينعكس اثره فقط في أسعار الاستيراد بل هو السعر الذي يقرر اتجاهات وحجم التغيرات في النشاط الاقتصادي وبالتالي فهو محدد للدخول (الفردية الحقيقية) وعلى هذا الأساس تجد انه حتى من يتعامل في الإنتاج المحلي هو أيضاً يسعى إلى المحافظة على الاقل على مستوى دخله الحقيقي وهذا هو الذي يدعون دائما ‏الى التأكيد بأن يرافق أي تغيير في سعر الصرف قرارات تؤمن المحافظة على المستويات الحقيقية للدخول الفردية وتجنب الدخول الواطئة من دفع ثمن هذا التغير، ومع ذلك فإنه اسعار الصرف هي الاسعار القائدة في الاقتصاد وهي في الحقيقة حجر الزاوية في أي تغيير ومحاولة إصلاح للوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق،‏ وأن ما قاله الزميل(القديم) يوم من الأيام هو انطباع واضح إني لما هو في الصورة وليس لما هو ورائها…
ان اعتماد سعر صرف غير اقتصادي كان هو وراء تدمير المنتج المحلي وهو أيضا وراء تمدد اغلب الدخول الطفيلية التي تمنع استقرار (سعر الصرف للعملة) وفي الاستيراد غير الشرعي وكذلك الافساد للمنظومات المسؤولة عن تأمين الضرائب والجمارك.
قدر تعلق الأمر بهذه الاستيرادات في ظل ‏سعر الصرف السائد يبقى المنتج في دول الجوار جميعاً اقل كلفة لدرجة أن كلفة المتاجرة غير الشرعية بها (التهريب) أيضا يمكن أن يتحملها فارق الأسعار، في الاقتصاد العراقي يجب أن يعاد النظر في سعر الصرف، فهو معيار لاهم أداة تعيد التوزيع الأولي للموارد وتوزيع الدخول ومستويات الاستهلاك دون أن يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بالشرائح الهشة والدنيا من الدخول.
تحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد الاستيراد
‏كما هو الحال في كل الاقتصادات النفطية وبخاصة في دول الخليج رغما أن القاعدة الإنتاجية والموارد التي يمكن استغلالها في العراق لا يمكن مقارنتها بما هو متوفر في دول الخليج ولكن الجميع كانوا في ظل واهمه أن العملة الوطنية ذات القدرة على الاستيراد العالي (قوة العملة) هي مؤشر لقوة الدولة وقوة الاقتصاد في حين أنه ما بعد مطلع السبعينات عندما فك نيكسون العلاقة بين الدولار والذهب ‏فإن العلاقة أصبحت بسيطة وواضح لمن يرغب رؤيتها وهي ان ما يقرر سعر الصرف هو قوة الاقتصاد وليس العكس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى