آراء

زياد الهاشمي الباحث في الاقتصاد الدولي (كمبردج/ المملكة المتحدة) يكتب لـ عراق اوبزيرفر: هل حان وقت حذف الأصفار من الدينار العراقي؟

آراء / عراق اوبزيرفر

الدينار وأصفاره الثلاثة – هل حان الوقت لترشيق الدينار والعوده لدينار 1980

منذ بدايات عام 2010، توسع الحديث داخل المجتمع الاقتصادي العراقي عن الاصفار التي أثقلت كاهل الدينار قرابة عقدين من الزمن، وضرورة التعامل معها ،وتخليص الدينار وتحريره من عبء الاصفار الثقيلة، والهدف هو (العودة لقيمة ،دينار 1980)، وكحال المسائل والموضوعات التي يناقشها ويتفاعل معها العراقيون، فقد تباينت الآراء واختلفت بين مؤيد متحمس لحذف الاصفار وبين متردد و رافض، وتستمر حالة التباين حتى يومنا هذا.
وعملية حذف الأصفار ، تتعلق باستبدال العملة القديمة ذات الاصفار المتعددة، بعملة جديده خالية من الاصفار، ففي حالة الدينار العراقي مثلاً ،فإن المقترح السائد هو استبدال كل ألف دينار من العملة الحالية بدينار واحد من العملة الجديدة، وكما يتداول في أوساط الاقتصاديين بشكل عام والنقوديين بشكل خاص، فإن حذف الاصفار يمكن ان يحقق منافع عديدة، أهمها التخلص من ضغوط التضخم العالية على الاقتصاد واعادة الثقة بالعملة الوطنية وبالنظام النقدي جميعاً، وتسهيل العمليات المحاسبية والتبادل النقدي بين المواطنين ،وتقليل كلف إدارة وصيانة الكتلة النقدية من خلال تقليص حجمها المطروح للتداول.
هذه المنافع وغيرها ،شجعت بعض الدول لتبني عملية حذف الاصفار من عملاتها المثقلة بالاصفار، في محاولة للتخلص من أعباء التضخم، او لبدء صفحة اقتصادية جديدة ،تتجاوز اخطاء الماضي، وحسب بعض الاحصائيات، فإن العشرات من الدول اتجهت لحذف الاصفار، منها دول في امريكا الجنوبية وايران وتركيا ودول اخرى في افريقيا وشرق اسيا، وبالمجمل لدينا 70 عملية حذف، لأصفار العملات منذ عام 1960 وحتى اليوم.
وبالعودة للحالة العراقية، فإن التراكمات الضخمة على مدى العقود الماضية، كانت السبب الرئيس والمباشر لفقدان الدينار لقيمته التي كان يتمتع بها خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث تشير بعض الإحصائيات ان الدينار العراقي قد فقد بحدود 400.000% من قيمته بين الأعوام 1990-2007، بمعنى ان السلعة التي كان يشتريها المواطن ب 100 دينار عام 1990 أصبح يشتريها ب 400 الف دينار عام 2007، وهذا يعد إرتفاعاً ضخماً هائلاً، ألقى بظلاله على الاسواق والحركة التجارية العراقية، وزاد من الضغوط على المال العام، وأكل من قيمة ما لدى المواطنين من مدخرات نقدية، او بمعنى آخر أضعف كثيراً من القوة الشرائية للمستهلكين، رافق ذلك الاستمرار في طباعة العملة وزيادة الكتلة النقدية المتداولة ،والتي كانت حتى عام 1980 لا تتجاوز 25 مليار دينار، لترتفع في التسعينيات الى 40 ملياراً، ثم جاءت القفزة الهائلة عام 2003 لتصل الكتلة النقدية الى 6 ترليون دينار و تتجاوز 27 ترليون دينار عام 2010 حتى وصلنا اليوم لمستوى تجاوز 100 ترليون دينار، والرقم قابل للزيادة، وقد كانت ورقة 25 دينار هي الورقة النقدية الأكبر عام 1990، أما اليوم فلدينا فئات 25000 و 50000 دينار.
وبسبب تحقق نوع من الاستقرار الامني والاقتصادي في العراق مدعوماً بموقف مالي قوي بسبب العائدات النفطية الكبيرة والتي ولدت احتياطات ضخمة من العملة الصعبة، يرى جمع من الخبراء الماليين والاقتصاديين ان الوقت قد حان للبدء لترشيق الدينار وحذف اصفاره الثلاثة، حيث ستحقق العملية (حسب رأيهم) الكثير من الايجابيات التي يحتاجها الاقتصاد العراقي، أولها عودة الدينار كمخزن للقيمة، واستعادة الثقة بالنظام النقدي، وتقليل الطلب على العملة الصعبة والتخلص من ظاهرة الدولرة التي تسببت في انهاك الاقتصاد وتبديد ثروات مالية ضخمة، ومع عملية ترشيق الدينار يمكن تقليص الكتلة النقدية المصدرة من 100 ترليون لتصبح 100 مليار وهذا رقم يمكن إدارته بشكل أكثر كفاءة وأقل كلفة.
ورغم وجاهة هذا الرأي ورجاحته في جوانب عدة، الا ان هناك بعض المسائل التي يجب الوقوف عندها ومراعاتها قبل اتخاذ مثل هذا القرار، فعملية حذف الاصفار لن تقدم لوحدها حلاً سحرياً يستطيع من خلالها النظام النقدي العراقي التخلص من التضخم والتستر خلف عملة فتية بلا أصفار، فقد أثبتت التجربة ان الكثير من الدول لم تستفد بشكل كافٍ من عملية حذف الاصفار، حيث تدهورت أقيام العملات في بعض الحالات، وعادت العملات الجديدة لمراكمة الاصفار من جديد، في تأكيد لا يقبل الشك، ان مكافحه التضخم يتطلب حلولاً أخرى أكثر فاعلية يتم تطبيقها بالتوازي مع عملية حذف الاصفار، ومن تلك التجارب، تجربة البرازيل والتي قامت بعملية حذف الاصفار سبعة مرات منذ العام 1930 وبمجموع 18 صفراً، ولم تنجح هذه الدولة إلا في المحاولة التي جرت في عام 1993، عندما قرنت عملية حذف الاصفار بعملية إصلاح اقتصادي يستهدف جذور التضخم وأسبابه.
وبنظره فاحصة سريعة، نجد ان الاقتصاد العراقي لايزال يعاني من مشاكل هيكلية وبنيويه خطيرة، ومنها مسألة الريعية العالية وهشاشة القطاعات غير النفطية وتدهور ناتجها المحلي، وعدم توافر الانضباط الكافي في السياسات النقدية والمالية والعلاقة الملتبسة بين السياستين، ناهيك عن تقادم الانظمة الادارية والمصرفية واختراق الفساد كل مفاصل وقطاعات الاقتصاد ،وغير ذلك من سلبيات، وحتى تتحقق عملية حذف الاصفار أهدافها، فإن من المهم ان يسبق هذه العملية تنفيذ برنامج اصلاح اقتصادي فعال يعيد هندسة وهيكلة القطاعات الاقتصادية، يرافقها مراجعة وتقويم لكلا السياستين النقدية والمالية وضبط العلاقة بينهما، ووضع الخطط المناسبة لإدارة المرحلة الانتقالية للتحول بشكل سلس من عملة قديمة مثقلة بالاصفار الى عملة وليدة تحتاج الى الرعاية وحسن الادارة، حتى يتمكن البلد فعلياً من تحقيق أقصى درجات الفائدة من عملية حذف الاصفار وترشيق الدينار.
إضافة الى ذلك، فإن التأني في اختيار التوقيت المناسب لتنفيذ عملية حذف الاصفار تعد واحده من أهم عوامل النجاح التي يجب ان لاتغيب عن صانع القرار النقدي، فالتوقيت الخاطئ في التنفيذ قد يؤدي للتأثير سلباً على سلوك المستهلكين وإرباك الاسواق (ومنها الاسواق المالية) وضرب سمعة الدينار الجديد والعودة لحالة الدولرة وهروب رؤوس الاموال وتوفير طرق ومسالك جديدة لعمليات غسيل الأموال ودعم العمليات غير النظامية وغير المشروعة، وهذا قد يؤدي لمزيد من الارتفاعات في الاسعار ومعدلات التضخم، وهذا يعني إفشال كامل لعملية ترشيق الدينار، فهذه العملية تعتبر سلاحاً ذو حدين تتطلب مستوى عال من التأني والتخطيط وحسن التنفيذ، بعيداً عن السرعة في التنفيذ للبحث عن تحقيق مكاسب اقتصادية او سياسية سريعة، لذلك أقول في الختام، ان العراق لايزال بحاجة الى مزيد من الوقت والجهد والعمل لدراسة هذه العملية بشكل عميق وموسع وتهيأة الظروف والأدوات اللازمة التي يحتاجها البلد للوصول الى مرحلة القدرة على تنفيذ عملية ترشيق الدينار بفاعلية ونجاح، ومن ثم جنى ثمارها والانتفاع بها حسب الخطط الموضوعة، حينها يمكن أن نقول باطمئنان انه قد اصبح للعراق ديناراً قوياً محافظاً على قيمته، يضاهي بقوته العملات القوية الاخرى حول العالم، وربما يكون أقوى حتى من دينار 1980.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى