آراء

سياسات استراتجية مسرطنة

رحيم العــكيلي يكتب لــ عراق اوبزيرفر

سياسات استراتجية مسرطنة

نص دستور عام 2005 على تشكيل عدد من المؤسسات الدستورية الدائمة المهمة التي كان يفترض تشكيلها في اقرب وقت ممكن لتقوم بالمهام التي عهد اليها الدستور بها ، اهمها مجلس الاتحاد ( المادة 65 ) – الذي كان يفترض تشكيله بعد الدورة الانتخابية الاولى لمجلس النواب بنص المادة( 137 ) من الدستور – والمحكمة الاتحادية العليا( المادة 92/اولا) والهيئة العليا لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية ( المادة 106).

فلم يشكل ايا من تلك المؤسسات الدائمة رغم اهميتها البالغة ، بينما نص الدستور على اقرار تشكيل مؤسسات العدالة الانتقالية التي كان ينبغي انهاء مهامها خلال فترة محددة حال انتهاء مهامها الانتقالية، منها الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث (هيئة المساءلة والعدالة) وهيئة دعاوى الملكية العقارية ومؤسسة الشهداء ومؤسسة السجناء السياسسين التي لا زال العمل بها مستمرا رغم مضي 19 سنة على سقوط النظام السياسي السابق التي شكلت لتلافي المظالم التي تورط بها ذلك النظام ضد الشعب وابناءه ، لكنها استمرت ولا نية- فيما يبدو -لالغائها وانهاء اعمالها.

ان اصرار النظام السياسي على استمرار مؤسسات العدالة الانتقالية المؤقتة في عملها واصراره على عدم انهاء ملفاتها انما يرتبط – كما هو معروف عند كل مطلع – باجندات ومصالح حزبية وفئوية وطائفية وانتخابية بعيد جدا عن مصالح الشعب والوطن ، وهي تكبد موازنة الدولة مبالغ طائلة تصرف في موارد لا تحقق سوى مصالح ضيقة لفئات معينة ، فهي ليست سوى توزيع النظام السياسي ثروات الشعب على مريديه وضمان استمرار دعم ناخبيه ، على حسب حقوق الفقراء والطبقات الهشة وعلى حسب خطط التنمية المستدامة.

ان فقدان ثقة الناس بالخطوات والاجراءات التي تبناها النظام السياسي خلال 19 سنة مضت جعلته يكفر بمؤسسات العدالة الانتقالية مثلما يكفر بفكرة المؤسسات الدستورية الدائمة ، رغم عدم تشكيلها ، فغالبية العراقيين – بظني- يريدون الغاء مؤسسات العدالة الانتقالية مثلما لا يثقون باي قيمة واقعية لتأسيس المؤسسات الدستورية الدائمة.

وهذا قطعا نتيجة طبيعية لسياسات الفشل والفساد التي تبنتها مؤسسات الدولة- بكل اشكالها – بدون استثناء بعد عام 2003 ، فلم يعد الشعب يثق باي منها لانها سياسات استراتجية مسرطنة بالغطرسة والفساد والفشل والجهل ، فهي ادوات للصوصية والابتزاز ونهب ثروات البلاد والعمالة للخارج.

اي ان المشكلة ليست في المؤسسات ذاتها- سوا اكانت مؤسسات انتقالية ام دائمة – انما هو في طبيعة وهدف وغايات السياسات الاستراتجية التي تبنتها تلك المؤسسات خلال الاعوام الماضية .

وبالتالي فليس امام النظام السياسي الا اصلاح تلك السياسات الاستراتجية ليعيد ثقة الناس بالمؤسسات الدستورية حينما تخدم مصالحهم وتحقق ما يصبون اليه من التوزيع العادل للثروة وتكافؤ الفرص والمساواة وتحقيق العدالة الناجزة واحترام حقوق الانسان وترسيخ سيادة القانون.

اما الغاء مؤسسات ما ، واستحداث اخرى ، فلن يعيد تجسير العلاقة وبناء الثقة بين النظام السياسي وشعبه مادامت نفس السياسات الاستراتجية قائمة ومستمرة.

رحيم العكيلي – قاضي متقاعد

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى