آراء

فساد صغير واخر كبير

رحيم العكيلي/قاضي متقاعد يكتب لـــ #عراق_اوبزيرفر:

فساد صغير واخر كبير

يعد الفساد كبيرا- تمييز له عن الفساد الصغير- في ضوء معايير منها انه فساد كبار موظفي الدولة او  انه الفساد بمبالغ كبيرة ، او هو الفساد في المشاريع الكبرى ، او حينما يقع في القطاعات البالغة الاهمية كالقطاع النفطي او المصرفي، او انه فساد كبير بسبب اهتمام الراي العام به ، او بسبب تفشي ممارسته ولو كان كل واقعة منها يعد فساد صغير كالرشوة.

انما قد يكون معيار نوع المال الواقع عليه الفساد هو معيار مهم للتمييز بين الفساد الصغير والكبير ، ونقصد به ان يكون الفساد كبيرا حينما ينصب على نهب الاموال العامة ، فيغتني الفاسد من سرقة اموال الشعب وثرواته، اما اذا انصب على ابتزاز المواطنين والاثراء على حسابهم فانه فساد صغير .

انما لا يقصد من تقسيم الفساد الى كبير وصغير الدعوة الى الاهتمام بمكافحة الفساد الكبير والتغاضي عن الفساد الصغير ، لان كليهما له اثار خطيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية.

لكن لكل نوع من انواع الفساد اليات وتدابير وقواعد ينبغي العمل بها لمواجهته والحد منه تختلف تماما عما تتطلبه اليات وتدابير وقواعد مواجهة الاخر ، وما على الدولة الا ان تضع استراتيجيات جادة للحرب ضد الفساد الصغير ، مثلما تضع استراتيجيات جادة مماثلة للحرب ضد الفساد الكبير.

اي ان الحرب ضد الفساد ينبغي ان تعمل بجبهتين احدهما ضد الفساد الكبير والاخرى ضد الفساد الصغير.

ولاشك ان الحرب ضد الفساد الصغير اسهل واقل تكلفة واقل مخاطر ، لانها حرب تكون عادة ضد ممارسات وفساد صغار موظفي الدولة من متعاطي الرشوة ومبتزي المواطنين لقاء امرار معاملاتهم،لكنها حرب واسعة لانها تقع ضد عدد كبير جدا من موظفي الدولة وعلى كل مساحة البلاد وفي طول وعرض القطاع العام ،بخلاف الحرب ضد الفساد الكبير التي تكون اقل سعة لانحصار الفساد الكبير في اعلى هرم الدولة ومحصور بين عدد محدود من كبار موظفي الدولة ، ومن تواطئ معهم من التجار ورجال الاعمال والنافذين ، لكنها حرب صعبة بسبب قوة ونفوذ المتورطين بالفساد الكبير ،وكونهم يشكلون تهديدا لمكافحي الفساد وللحكومات التي تحاول كبح جماح فسادهم وبسبب قدراتهم المالية والسياسية التي تمكنهم من حماية انفسهم ومن التنكيل بمن يحاول فضحهم او ملاحقتهم.

يمكن للدول الفاشلة في محاربة الفساد ان تحقق تقدما تدريجيا في ترسيخ القانون والتعضيد التدريجي للحرب ضد الفساد من خلال العمل ضد الفساد الصغير بقوة،لانها غير معذورة في السماح بالفساد الصغير والتغاضي عنه مادامت قادرة على ردعه والحد منه ، مع تصعيد الحرب ضد الفساد الكبير بشكل تدريجي لحين تمكنها من الانقضاض الكامل للاطاحة بكل الفاسدين الكبار.

وتبنت تجارب دولية ناجحة حربا قطاعية ضد الفساد حينما وجدت نفسها عاجزة عن معالجة الفساد في كل الدولة ، فاختارت ان تركز جهودها في الحرب على الفساد في القطاع الصحي او في قطاع الشرطة او في القطاع التعليمي ، وحينما تمكنت من الحد من الفساد في ذلك القطاع انتقلت للحرب ضده في قطاع اخر ،، وهكذا، الى ان تنتهي من جميع القطاعات في الدولة.

الحرب ضد الفساد في العراق ينبغي ان تتبنى احد الاستراتيجيات اعلاه ، والا ظلت اشبه بالسير في صحراء بالغة السعة بلا هدى.

رحيم العكيلي-قاضي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى