آراء

قمع المحتوى الهابط

رحيـم العكيلي يكتب لـ عراق اوبزيرفر

قمع المحتوى الهابط

اتفق العراقيون بالعموم تقريبا على مناهضة ظاهرة انتشار وتعميم محتويات الكترونية تافة،وقد يكون بعضها مخل بالحياء او بالاداب العامة،لانه امر سلبي لما قد ينتجه من اثار محتملة غير ملائمة على الاسرة والاطفال.

انما اختلفوا بشأن ما تبنته الدولة من اجراءات وملاحقات لمواجهة تلك الظاهرة وقمعها،فذهب كثير منهم الى تأييدها بشدة بعض النظر عن سلامتها او شدتها،بينما ذهب اخرون-قد يكونون اقلية-الى انها اجراءات مبالغ بها وقاسية،رغم اتفاقهم على مناهضة ورفض الظاهرة في حد ذاتها.

انما ينبغي ان لا يكون استهجان ورفض ومناهضة ظاهرة المحتويات الهابطة مبررا لعدم نقد وتقييم اجراءات الدولة للحد من تلك الظاهرة،فهذا امران مختلفان،لا ينبغي التساهل مع احدهما على حساب الاخر،اذ ان الدولة واجراءاتها محكومة بقواعد دستورية وقانونية ومعايير دولية متعلقة بالحريات وحقوق الانسان،مما يوجب وضع اجراءات الدولة-دوما-تحت مجهرها،والا فان الخطر الاكبر هو ان يساء استخدام القانون بحجة تطبيقه ليتحول -عمدا او تساهلا -الى اداة قمع تمس الحريات والحقوق،ويذهب البعض من المستضعفين كاكباش فداء لها.

قانونيا فان القوانين خالية من تجريم او منع شئ اسمه(محتوى هابط)وهي خالية ايضا من تجريم او منعما يخالف( الذوق العام)،الا ان قانون العقوبات يجرم(صنع او عرض او توزيع كتب او صور او افلام او…اذا كانت مخلة بالحياء او الاداب العامة)بموجب المادة(403)من قانون العقوبات،وهو نص نافذ منذ عام 1969،ولم يعدل منذ مدة طويلة،انما تم تفعليه مؤخرا بمناسبة التصدي لتلك الظاهرة،والا فان المادة(403)من قانون العقوبات-قبل عام 2023-كانت نادرة التطبيق او شبة منعدمةالتطبيق،في ضوء ما يتراي لي من متابعاتي لما يجري في المحاكم،لعدم وجود احصاءات معلنة يمكن الرجوع اليها.

فالركن الاساسي في التجريم وفق المادة(403)هو ان يكون الفلم او الصور او..مخلة اما بالحياء او مخلة بالاداب العامة،انما كيف نحدد ما هو مخل بالحياء؟او مخل بالاداب العامة؟وما هو في حدود الحياء او الاداب العامة وغير مخل بها؟

اجرائيا يحدد القاضي ذلك،اما بنفسه،او بالاستعانة بالخبراء،الا ان اي منهما( القاضي او الخبير)سيكون محكوما بخلفياته الفكرية والثقافية والاجتماعية والدينية ايضا،فاذا كان ذو فكر حر وليبرالي الهوى لم يتساهل في عد الافعال مخلة بالحياء او الاداب العامة،اما اذا كان ذو خلفية متشددة دينيا او اجتماعيا فان سيعد الكثير من الافعال خروجا واخلالا بالحياء وبالاداب العامة،انما سيكون ذلك كله تحت رقابة محكمة التمييز دوما،اذا ما طعن في الاحكام امامها بطريق التمييز،انما يظل قضاةمحكمة التمييز متاثرون ايضا بخلفياتهم الفكرية والاجتماعية والدينية،حين تحديدهم لما يعد اخلال او لا يعد اخلال.

اما الافراد العاديون فلن يكون ممكنا بالنسبة اليهم ابدا،ان يضبطوا سلوكهم في ضوء ذلك المعيار،لانه من الصعب عليهم جدا ان يعرفوا المقصود بتلك المفاهيم القانونية الفضفاضة التي يعجز المختصون عن ايراد تعريف قاطع ومحدد لها،ويختلفون فيما بينهم فيما يعد داخلا فيها او خارجا عنها،مما يؤدي الى جعل اجراءات حبس الاشخاص لنشرهم او توزيعهم او عرضهم محتويات مخلة بالحياء او الاداب العامة امر مرهب ومخوف لغيرهم،ماداموا يصعب عليهم تحديد المفهوم المجرم،لان انزال العقوبات المقيدة للحرية(الحبس او السجن)على اشخاص يبدون انهم يمارسون حرية التعبير والنشر والاعلام،سيكون ماسا بتلك الحريات لغيرهم،قبل ان تكون ماسة بتلك الحريات بالنسبة اليهم،لان الحساسية المفرطة لهذا النوع من الحريات،يجعلها بالغة التاثر السلبي باي اجراء قمعي ضد المعبرين الاخرين عن ارائهم،لذلك تمنع المعايير الدولية عقوبات الحبس في جرائم الكلام،وتدعو الى الاكتفاء بالعقوبات المالية او بعقوبات خفيفة جدا،مع تعويض مجز لضحايا جرائم الكلام،لان العقوبات الشديدة ستقضي على حرية التعبير والنشر اوالاعلام او تحد منها بدرجة كبيرة.

وفوق ذلك فان الدولة التي ينص دستورها على انها(ديمقراطية)يكون واجب حكوماتها ومؤسساتها العامة هو حماية(الحقوق والحريات)وليس(حماية الاخلاق)،وليس لها بالتالي ان تنصب نفسها كـ(حارس للاخلاق) ولا وصيا على تصرفات الافراد،لتحدد ما هو اخلاقي،وما هو غير اخلاقي،وما هو هابط او غير هابط،فذلك امر تحكمه قواعد الصراع الاجتماعي،واليات الردع الاجتماعي،وتتجنب المؤسسات العامة التورط او التدخل فيه.

رحيم العكيلي-قاضي متقاعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى