آراء

لماذا جفت أنهارنا؟

حمزة مصطفى يكتب  لـ عراق اوبزيرفر

لماذا جفت أنهارنا؟

لم يعد أمامنا ونحن نعبر نهرين خالدين مثل دجلة والفرات في بعض المناطق مشيا على الأقدام سوى البكاء بدموع من دم عليهما. وأحيانا نخجل من الشعراء الذين تغنوا بهما من علي بن الجهم الذي وقف في منتصف النهر بين الرصافة والجسر, الى الجواهري الذي حيا سفح دجلة عن بعد مادا يديه حتى تحييه مقتنعا إنها سوف ترد التحية لأنها أم الخير, أم البساتين. ولأنه “ظمآن” فقد لاذ بسفح دجلة “لوذ الحمائم بين الماء والطين”. هل إنتهى كل هذا يا أبا فرات؟ نعم على مايبدو الأمر هكذا, مع الإعتذار لك ولإبن الجهم الذي طالما إنتظر مع الحمام اللائذ في سفوح دجلة “عيون المها” اللواتي جلبن له الهوى من حيث يدري ولا يدري. الأخبار الآتية من كل المصادر والوكالات والأنواء الجوية والأمم المتحدة وخبراء المياه والجفاف والتصحر والمناخ لاتسر. نحن في العراق “نبكي ونلطم” نهرينا اللذين كانا ذات يوم يهددان مساحات شاسعة بالفيضان. تركيار التي نحسدها باتت مثلنا “تبكي وتلطم” ندرة المطر من السماء. إيران “تبكي وتلطم” هي الأخرى ولا من مجيب. إنطونيو غوتيريش يبكي ويلطم هو الآخر من طابقه الثامن والثلاثين في مبنى الأمم المتحدة الزجاجي باعثا الينا ماتبقى من دموع له عسى أن تسعفنا في زيادة النهرين قطرة أوقطرتين. لكن لا من مستجيب ولا مجيب.
أما أبو المثل الذي حرص أن يشارك في هذه الدراما فليس لديه ما يضيفه الى ماسبق أن قاله في عصور غابرة عن كل شيء, راهما على كل شيء “الما يعرف تدابيره حنطته تاكل شعيره”. يا حنطة ياشعير أنت الآخر. حتى الحنطة والشعير إذا إخضوضرت واصفوصرت وأصبحت جاهزة للحصاد تتلقفها نيران الإخوة المجهولين الذين يتسلون في عمليات حرق الحقول والعقول معا. ولو عدنا لأبي المثل فإن جزءا مما قاله صحيح. كيف يا فهيم؟ اليس هذا المثل ينطبق على كل شيء من مرقة الباميا الى إستراتيجية التنمية التي نسمع بها منذ فجر السلالات الى اليوم؟ لا الأمر يختلف على صعيد الماء. كل ماقاله أبو المثل دقيق تماما لأننا طوال العقود الماضية من الزمن فكرنا على صعيد أزمة المياه من جانب واحد, وهو حقوقنا الثابتة في نهري دجلة والفرات مع تركيا, ومع إيران على صعيد الروافد العابرة بين البلدين.
فنحن مسؤولون وسياسيون وخبراء لم تكن تشغلنا طوال العقود الماضية سوى كيفية أخذ حقوقنا المائية بالملم متر وهو أمر طبيعي ولا غبار عليه. وطوال تلك العقود كنا نسمع ونقرا ما يقال عن إحتمالية نشوب حروب مياه في المستقبل, وأن الماء سوف تتم مقايضته بالنفط وسوى ذلك من هذا الكلام الذي تنبأ به كل علماء المستقبليات والشيبانيات. ومع أن أخبارا من هذا النوع تشحذ هممنا في كيفية أخذ حقوقنا الثابتة حتى لو كلفنا حربا لكنها لم تجعلنا نفكر يوما ببدائل يمكن الإستعانة بها لكي نتفادى مايحصل في المستقبل. بمعنى إننا لم نفكر يوما أن مشكلة المياه في العالم هي ليست فقط إشكالية حقوق بين دولتين بل هي أزمة عامة سببها المناخ ومابات يحصل فيه من تحولات خطيرة. مع ذلك لم نضع في بالنا يوما تغيير أنماط الزراعة وتغيير أساليب الري بل وحتى مياه الشرب وكيفية الإستفادة من البدائل المتاحة لكي تستمر الحياة ونستمر معها في المطالبة بحقوقنا الضائعة دائما وأبدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى