رياضة

“ناكرة للجميل”.. لماذا تعادي فرنسا المهاجرين صانعي أمجادها؟

قطر / عراق أوبزيرفر

أسدل الستار على مونديال كأس العالم في قطر بفوز الأرجنتين على فرنسا بركلات الترجيح. وعلى الرغم من خسارة “الديوك” بشقّ الأنفس في المباراة النهائية، فإن مسيرة فرنسا في المونديال كشفت عن جملة من التناقضات التي تنتهجها فرنسا بحق المهاجرين إليها أو المقيمين على أراضيها في الضواحي النائية.

يرى مراقبون أن باريس تتناسى الإضافة الكبيرة التي قدّمَها لها هؤلاء المهاجرون في مختلف المجالات، ومن بينها ساحات الرياضة حيث ساهم نجوم بارزون من أصول إفريقية وعربية في تتويج منتخبها بلقب كأس العالم في روسيا 2018، ووصوله للمرة الثانية توالياً إلى نهائي البطولة العالمية.

تَحرُّك فرنسي

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2022 عرضت الحكومة الفرنسية مشروع قانون جديد ينظّم وضع المهاجرين في البلاد، ويتضمّن منح تصاريح إقامة خاصة لـ”المهن المطلوبة” لتسوية وضع الأجانب في البلاد الذين يعملون في قطاعات تعاني نقصاً في اليد العاملة.

وحسب قناة “فرانس 24″، يتضمن القانون الجديد عمليات ترحيل صارمة، وسيتم نقاش المشروع تحت قبة البرلمان في يناير/كانون الثاني 2023، وتأمل بدء تطبيقه في النصف الأول من العام المقبل.

من جانبها كشفت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية أن بعض البرلمانيين من حزب الجمهوريين اليميني أعلن رفضه الموافقة على إحدى أهمّ نقاط قانون الهجرة واللجوء المتعلقة باقتراح الحكومة الفرنسية إعطاء تصريح إقامة للمهاجرين غير النظاميين الذين يمكن الاستفادة منهم للعمل في القطاعات التي تشهد نقصاً في اليد العاملة.

وحسب موقع “مهاجر نيوز” المتخصص برصد أخبار المهاجرين، قررت السلطات الفرنسية في شيربور إنشاء سياج بوسط المدينة يبلغ ارتفاعه أربعة أمتار ويمتدّ على طول 3.5 كيلومتر، ويُتوقع إكماله في مارس/آذار المقبل، لمنع المهاجرين من الوصول إلى مواقف مخصصة لشاحنات لنقل البضائع، إذ يعمدون إلى التسلل إليها للوصول إلى بريطانيا.

ويعاني المهاجرون وطالبو اللجوء في شمال فرنسا ظروفاً معيشية صعبة للغاية، إذ يقيم معظمهم في العراء لفترات طويلة، في ظل سعي دائم من السلطات لتفكيك مخيماتهم العشوائية ودفعهم دائماً لتغيير أماكن مبيتهم.

الحاجة اقتصادية لا إنسانية

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي عبد الباقي شمسان، إن فرنسا تتعامل مع ملف المهاجرين وفق الحاجة الاقتصادية لا لأبعاد إنسانية، مشيراً إلى أنه يجري استقطاب المتميزين فكريّاً واقتصاديّاً وتقنيّاً، فيما يُخرَج مَن يشكّل عبئاً على الاقتصاد ويفرض كلفة اجتماعية وأمنية كبيرة مع الحفاظ على حاجة السوق الفرنسية.

ويوضح شمسان، أن فرنسا “تتعامل وفق حسابات استراتيجية مدروسة وليست عملية متعلقة بحقوق الإنسان، لافتاً إلى أنها مسألة مرتبطة بسوق العمل وبمدى حاجة القطاعات الصناعية أو التكنولوجية إلى قوى عاملة جديدة، وذلك في ظل نقص الأيدي العاملة بعدة قطاعات”.

ويلفت إلى أن فرنسا تطرح التخلص من فائض سوق العمل الذي يشكّل كلفة على الضمان الاجتماعي ويخلق ما يسمى”الشوارع الجانبية” في الأحياء الفرنسية.

كما يشدّد على أن باريس تعمل على “صياغة الذاكرة”، إذ تستفيد من الطاقات والكفاءات في البلدان التي استعمرتها سابقاً وتعمل على استقطاب وتجنيس النخب وتوظيفها في الجامعات والمؤسسات في عملية استنزاف واضحة لهذه الدول.

ويُقِرّ الأكاديمي شمسان بأن فرنسا تستفيد من مواهب المهاجرين في عالم كرة القدم، مبيناً أنهم يُكتشَفون ويُفرَزون من الضواحي والأحياء والحارات وفق عمليات وإجراءات طويلة، لكنه يقول إن الأعداد في نهاية المطاف ليست بكبيرة، بخاصة أنه يجري انتقاء المتميزين والمواهب الكروية الواعدة.

ويعتقد أن حواراً بدأ يتصاعد بقوة في أوروبا بعد أداء منتخب المغرب القوي في مونديال قطر ووصوله إلى نصف نهائي البطولة العالمية، إذ يلفت إلى أن النقاش يتمحور حول انتماء مَن وُلد في فرنسا ويحمل جنسيتها ويمثّل بلده الآخَر رغم السنوات والعقود التي عاش فيها على أراضيها، على غرار المدرب وليد الركراكي.

ويرى أن هذه الإشكالية التي طفت بقوة على السطح “ستعزّز وجهة اليمين الأوروبي الذي يطالب بخروج المهاجرين وإعادتهم إلى بلدانهم وعدم الاعتراف بانتمائهم”، مشيراً إلى أن اليمين يتهم هؤلاء اللاعبين بـ”عدم الوفاء والولاء لبلدانهم التي منحتهم جنسياتها”.

لذلك تعمل أوروبا -وفق شمسان- على استقبال أعداد كبيرة تتجاوز مئات الآلاف من المهاجرين الأوكران (مسيحيون) من أجل إحداث توازن لكونها “تعتقد أنها في خطر متزايد بسبب وجود جاليات مسلمة تشكّل تهديداً لديموغرافية المجتمعات الأوروبية”.

مبابي.. مثال واضح

عند استحضار المواهب الكروية من أبناء المهاجرين، يتبادر إلى الأذهان النجم الفرنسي المتألق كيليان مبابي الذي يُجمِع الخبراء على أنه سيكون النجم الأول في ملاعب “الساحرة المستديرة” مع اقتراب حقبة أفول النجمين العالميين، الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو، بعدما تَسيَّدا المشهد الكروي لنحو 15 عاماً.

ويتعزّز هذا كله بتصدُّر مبابي قائمة اللاعبين الأعلى قيمة سوقية في العالم بـ160 مليون يورو، وفق تصنيف موقع “ترانسفير ماركت” المتخصص في أسعار اللاعبين، ومن المؤكَّد أن هذه القيمة ستزيد بعد الأداء الكبير لمهاجم باريس سان جيرمان مع منتخب بلاده في نسخة “قطر 2022”.

تقول فايزة العماري والدة مبابي، إن أصول ابنها الجزائرية “هي سر عزيمته وإصراره المتزايد وشعوره بالواجب”، مؤكدة أنه حينما يريد شيئاً يفعله، وذلك في حوار لها مع صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية.

وبينت العماري، وهي جزائرية الأصل تزوجت في فرنسا من مدرب من أصول كاميرونية، أن دم مبابي “الجزائري” يغذّيه التحدي والإصرار وحب الانتصار ولا يرضى بالخسارة.

ونشأ مبابي في ضاحية بوندي الباريسية، التي وقعت فيها أعمال شغب واحتراق مبانٍ وسيارات في عام 2005، ومع ذلك خرج المهاجم الذي يصول ويجول في ملاعب كرة القدم، وبات أحد أبرز صناع إنجازها المونديالي في 2018.

وفي عام 2011 حاول مسؤولو الاتحاد الفرنسي لكرة القدم تقليص عدد اللاعبين السود وذوي الأصول العربية في صفوف المنتخبات والأندية الفرنسية، لكن صحفياً ذهب إلى منطقة بوندي ليسأل الصغار عن الخطوة الفرنسية، حيث ظهر آنذاك مبابي ولم يكن ذاع صيته بعد، وقال إنه “بالنظر إلى التاريخ الفرنسي، انحدر أفضل اللاعبين من السود والعرب باستثناء لاعبين مثل بلاتيني وكانتونا وآخرين”.

إنجازات ارتبطت بالمهاجرين

يؤمن المعلق الرياضي التونسي زياد عطية بأن نجاحات كرة القدم الفرنسية وفي بقية الرياضات أيضاً “ارتبطت بالمهاجرين منذ عقود”.

ويوضح عطية في حديثه، أن لاعبين “كباراً من أبناء المهاجرين استطاعوا قيادة منتخب فرنسا للتتوُّج بلقبَي كأس العالم لكرة القدم في مناسبتين عامَي 1998 و2018، كما ساهموا أيضاً في بلوغ مونديال قطر 2022”.

ويقول المتحدث إنه “يمكن القول بصريح العبارة إن فرنسا تشارك بِمنتخب (إفريقي) في مونديال قطر، إذ تُمثَّل الكاميرون في ساليبا ومبابي وتشواميني، والكونغو الديمقراطية في مانداندا وديساسي ومواني، ومالي في كوناتي وعثمان ديمبيلي وفوفانا، وغيرهم”.

مع ذلك تُسجَّل مواقف معادية في كثير من الأحيان ضد المهاجرين واللاجئين، وفق عطية الذي يؤكّد أن “العنصرية متفشية بقوة في المجتمعات الغربية، ومنها فرنسا”.

ويضيف: “لا تزال نظرة الفرنسي إلى المهاجرين دونية”، لافتاً إلى أن “القلق والتوتر يبدو كبيراً لدى الفرنسيين بنسب كل نجاح لهم إلى فائدة المهاجرين، الذي يتضح بقوة مع كل إنجاز”.

الركراكي.. مدرب واعد

لم تتوقف إنجازات المهاجرين عند فرنسا، بل تجاوزت الحدود، وهنا يدور الحديث حول وليد الركراكي الذي قاد منتخب المغرب فنياً إلى إنجاز تاريخي غير مسبوق عقب وصول “أسود الأطلس” إلى “المربع الذهبي” من نسخة قطر المونديالية.

وُلد الركراكي في 1975 في “كورباي إيسون” الواقعة على نهر السين بضواحي العاصمة الفرنسية باريس، ونشأ في حي مونتكونساي في أسرة مغربية تنحدر من مدينة الفنيدق في شمال المغرب، ولديه جنسية مزدوجة فرنسية-مغربية.

وتدرب في نادي مسقط رأسه، ثم التحق بفريق “راسينغ كلوب دو فرانس” الذي يُعرف بـ”راسينغ باريس” في عام 1999. لعب هذا المدافع لـ5 أندية فقط خلال مسيرته الاحترافية، 4 منها في فرنسا: تولوز وأجاكسيو وديجون وغرونوبل، إضافة إلى “راسينغ سانتاندير” الإسباني، ورغم نهاية مسيرته الاحترافية واصل اللعب على مستوى الهواة في فريق “فلوري ميروجيس” بضواحي باريس.

المصدر: “trt عربي”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى