اقتصادالعراقرئيسية

نيويورك تايمز: مزاد العملة العراقي “شيطان” لا يمسه أحد

حذرت مصادر مصرفية وسياسية عراقية من خطط قوى نافذة مرتبطة بأحزاب أسهمت في تشكيل حكومة محمد شياع السوداني للسيطرة على مزاد العملة في البنك المركزي العراقي في أكبر عملية احتيال.
وقالت المصادر ان الأيام المقبلة ستشهد تجاوزات وتلاعبات كبيرة في مزاد العملة، إن لم يتم الضغط السياسي والشعبي على تلك القوى المتنفذة لإيقاف خططها.
ويتزامن التحذير مع اصدار البنك المركزي العراقي، تعميماً إلى المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية المجازة، يطلب فيه إيقاف التعامل بعملة الدولار الأمريكي مع أربعة مصارف أهلية مع جواز التعامل معها بالعملات الأخرى.
وتذرع تعميم البنك بأغراض تدقيقية لهذا الإيقاف، إلا أن مصادر قانونية ومصرفية عراقية عزت الأجراء إلى هيمنة قوى سياسية وحزبية بواجهات شركات مصرفية على مزاد العملة.
وقالت المصادر أن المصارف الأربعة المعنية بالتعميم مملوكة لجهات سياسية وطائفية نافذة لكن مسؤولية إدارتها تقع على بضعة أشخاص.
وأظهرت الأرقام المنشورة على موقع البنك المركزي العراقي انخفاضا كبيرا في معدلات بيع العملة الأجنبية من خلال النافذة الرسمية لمزاد العملة التي يقيمها البنك، الامر الذي يشير الى مخطط لاقتصار المزاد على جهات معينة تخطط لعملية احتيال كبرى.
وانخفضت مبيعات البنك المركزي العراقي من العملات الصعبة إلى نحو 30 بالمائة عن الأشهر والسنوات السابقة، ما قد يكشف حجم التلاعب بالمزاد، ويتردد أن الشركات المتلاعبة تقوم بتزوير قوائم استيراد بضائع خارجية للحصول على العملة الصعبة من البنك المركزي.
وقرر البنك المركزي إيقاف الأنشطة المصرفية كافة لمصرف “الود الإسلامي” وضمنها بيع وشراء الأسهم الخاصة به، وإيقاف جميع النشاطات لشركات “الأسوار، والطف، والعاصمة للصيرفة”.
في غضون ذلك أصدرت وزارة المالية أمراً بـ “متابعة جميع أعمال المصارف وفروعها وتقديم الرؤى في موضوع هيكلتها وتحديد مواطن الضعف وإيجاد الحلول ومراقبة أعمال تلك المصارف”.
ويجمع اقتصاديون على أن هذه الإجراءات استباق مثير للريبة عن عملية استحواذ كبيرة، خصوصا مع التغيرات التي يجريها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني على المناصب العليا في وزارة المالية والبنك المركزي وهيئة النزاهة.
ويعرف مزاد الدولار “بنظام الصرف الصحي للفساد العراقي”، لكن قلما كُتب عن آليات عمله الداخلية وفق صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
واتهمت الصحيفة في تقرير موسع الولايات المتحدة بالتغاضي عن مخططات التزوير التي تحوم حول مزاد العملة في البنك المركزي العراقي، مع أن اغلب أموال هذا المزاد القادمة من البنك الفيدرالي الأمريكي عن مبيعات النفط العراقي، تذهب إلى إيران وسوريا وحزب الله.
وطالما وجد المساهمون في “نظام الصرف الصحي للفساد العراقي” شركات وطرق جديدة ليخفوا ورائها مشاركتهم في المزاد، ويحدث ذلك غالباً بتواطؤ من مسؤولي البنك المركزي العراقي.
ويصف خبراء مصرفيون تسمية مزاد العملة بالمضلل، فهي عملية يومية يقدم فيها البنك المركزي الدولارات لعدد محدود من المصارف التجارية مقابل الدينار العراقي.
وقامت قوات الاحتلال الأمريكية بتأسيسه عام 2003 لجمع ما يكفي من الدينار العراقي لدفع الرواتب نقداً للعدد الهائل من الموظفين الحكوميين ومساعدة البلد في دفع مستحقات الاستيراد بالدولار.
وظهرت طبقة جديدة من الانتهازيين وقامت بتسجيل شركات وهمية وإعداد الفواتير المزيفة اللازمة لإبرام صفقة الاستيراد التي ستمول لاحقاً من خلال مزاد الدولار.
وخلال أيام فقط يمكن لشخص احتال على بلده بالملايين أن يصبح مالكا لأحد البيوت الفخمة في لندن. أما المواد المستوردة الوهمية فلن تترك آثاراً كبيرة لأنها كانت قد وثقت ببطاقات تعريفية وصور لأشخاص حقيقيين وافقوا أن يؤدوا دور مسؤولي الشركات مقابل حصولهم على الرشوة.
ويختلف مراقبون بشأن قيمة الأموال التي هُرّبت من العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 ولغاية اليوم، لكنهم يتفقون جميعًا على أنها كافية لإعادة إعمار العراق بالكامل وتوفير فرص العمل وإقامة مشاريع عملاقة.
ويؤكد خبراء بالشأن الاقتصادي العراقي وسياسيون أن أرقام الأموال المهربة من البلاد بواسطة شخصيات حزبية وسياسية تراجعت لكنها لم تتوقف. ويحذرون من أن الأحزاب والميليشيات الفاسدة وجدت ضالتها في حكومة الإطار التنسيقي برئاسة محمد شياع السوداني لتحقيق مآربها.
ويستمع العراقيون إلى الخطابات التي تطلقها الحكومات المتعاقبة، حول مشاريع وقوانين وآليات استرداد الأموال المنهوبة من بلادهم، ولكنها تبقى حبراً على ورق.
وتصعب عملية احتساب ما تم سرقته من العراق، فقد أٌبرمت الصفقات بشكل نقدي وأصبح من الصعب الحصول على الوثائق التي تثبتها، كما أن الإحصاءات الحكومية عادة ما تكون غير دقيقة. ومع ذلك فإن المعلومات المتاحة تشير إلى أنه تم نهب ثروات العراق بشكل غير قانوني لخارج البلاد أكثر من أي دولة أخرى.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن أحد المسؤولين وهو صاحب خبرة طويلة بالأمور المالية أنه قد جمع تقييمات سرية لصالح المجلس الأطلسي، وهي مؤسسة بحثية أمريكية، بناء على أحاديثه مع مصرفيين ومحققين ومصادر في عدد من الدول الأجنبية.
واستنتج بأن مبالغ تتراوح من 125 الى 150 مليار دولار أمريكي تتواجد حالياً بين أيدي عراقيين في الخارج، وأن هؤلاء حصلوا على معظم هذه الأموال بطرق غير قانونية.
وتشير بعض التقديرات إلى وصول هذا المبلغ إلى 300 مليار دولار.
وتم استثمار ما يقارب 10 مليار دولار من الأموال المسروقة في عقارات في لندن. كما يتعدى التقدير الكامل لهذه الأموال، الجانب المالي ليشمل الضرر الحاصل للإرث الثقافي والمجتمعي العراقي.
وطالما حذر خبراء عراقيون من تسرب العملة إلى خارج العراق بسبب فساد في مزاد العملة في البلاد.
وقال مصرفي عراقي “هناك فعليا فارقا بحدود 30 مليار دولار بين حجم الحوالات إلى الخارج وبين قيمة البضائع الداخلة مما يدل على أن مزاد العملة لا يقوم بواجبه الصحيح لتوفير أموال لغرض الاستيراد”.
وكانت هيئة النزاهة العراقية قد كشفت تفاصيل قضايا جزائية متعلقة بملف “مزاد العملة” التي تتولى التحقيق فيها، وتحدثت عن “ثلاثة حيل” مختلفة استخدمتها مصارف حكومية، بينها استخدام حسابات اشخاص من دون علمهم وإيداع صكوك لآخرين لا يمتلكون رصيدا.
وبحسب هيئة النزاهة فإن القضايا شملت مصارف أهلية وحكومية، ادعى بعضها استيراده لبضائع داخل العراق لكنه “لم يدخل أي مادة إلى العراق منذ عام 2004”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى