آراء

“هل أصبح الخلاف عقائديًا ؟ أم ما زال سياسيًا”

كتاب الميزان يكتب ل ـ عراق_اوبزيرفر:

يعيش العراق على وقع أزمة سياسية ودينية واجتماعية حادّة، وذلك في إطار الصراع المحتدم على السلطة والزعامة بين زعيم التيار الذي يُدعى باسمه، مقتدى الصدر، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق والأمين العام لحزب الدعوة الإسلامي، نوري المالكي، الذي يتزعم ما يسمى بـ”الإطار التنسيقي”، الممثل لتجمع قوى سياسية شيعية مع قوى سنية

حيث أصدر مكتب السيد الحائري بيانًا في 29 آب عام 2022، قائلًا فيه: ” أُعلن عدم الاستمرار في التصدّي لهذه المسؤوليّة الثقيلة والكبيرة، وإسقاط جميع الوكالات والأُذونات الصادرة من قبلنا أو من قبل مكاتبنا وعدم استلام أيّة حقوق شرعيّة من قبل وكلائنا وممثّلينا نيابة عنّا اعتباراً من تاريخ إعلاننا هذا”، داعيًا في بيانه جميع المؤمنين إطاعة الوليّ قائد الثورة الإسلاميّة سماحة‌ آية الله العظمى السيّد عليّ الخامنئي (دام ظلّه)، فإنّ سماحته هو الأجدر والأكفأ على قيادة الأُمّة وإدارة الصراع مع قوى الظلم والاستكبار.

هذا البيان كان نقطة فارقة في تحول بوصلة الصراع بين التيار والإطار إلى خلاف عقائدي منهجي، كون الصراع أصبح بين مرجعيتين، مرجعية عربية عراقية مقرها النجف الأشرف وبين مرجعية فارسية مقرها قم.

يمكن فهم حقيقة الصراع، عن طريق فهم محاولات الصدر تصدر التيار الديني الشيعي في العراق، فالأحداث الأخيرة تفجرت بشكل كبير بعد تصريحات المرجع الحائري الذي يفترض أن الصدر يقلده.

في الفقه الشيعي وطريقة التقليد، الامتثال لبيان الحائري من الصدر بمعنى إذا لم تأخذ الأوامر من “جهاتٍ إيرانية” يكون عليك شرعًا وواجبًا أخذ فتوى من “علي خامنئي” وان الصدر سيكون ملزمًا بدفع نفقات مالية للمرجع الإيراني

ومن الملاحظات المهمة التي يمكن إثارتها، هي عن أهمية هذه المرحلة التاريخية والتداعيات التي خلفتها على الوضع العام الداخلي في العراق، سواء في الجانب الاجتماعي او الديني أو الجيوسياسي، إذ إنَّ الضحالة في مستوى الثقافة السياسية يجعل الكثير من الجمهور يتصور بأنَّ الصراع الحالي (من أجل السلطة) هو صراع سياسي (بين الخير والشر وبين الصواب والخطأ)، والواقع إنَّ من يستعمل الدين في الصراع السياسي يثبت انه يستغفل الناس، وانه لا يملك برنامجًا سياسيًا وأنَّ وجوده في عالم السياسة صدفة، ومن الضروري خروجه منه ليستقيم الأمر.

إنَّ تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني، جريمة تعبر عن ضعف المجرم ومكره، إذ يشمل الصراع الديني، الصراع المذهبي والطائفي والعقائدي
فالصراع الديني صراع مطلق: العداء فيه أعداء عقيدة وأعداء وجود لا يمكن لأحدهم أن يكون إلا بالقضاء على الآخر.

اما الصراع السياسي فنسبي: فهو صراع خصوم متنافسين، يمكنهم التعايش ولكن لكل منهم رؤية، وبرنامج حكم يسير به الشأن العام يختلف عن برنامج الخصم، وإن كان الاختلاف لا يمس أساس الوجود مما يسمح بتعايش المتخاصمين.

الخصماء السياسيون قادرون على الاتفاق على مبادئ تحكم خلافهم وتتيح لهم التعايش مع الاختلاف، فضلًا عن العداوة الدينية تتسع لتشمل مبادئ الخلاف نفسه، وبهذا يصبح التعايش مستحيلًا.

وما أراه اليوم هو تحول الصراعات السياسية التي بدأت مع الحراك الاجتماعي الاخير في عدد من المحافظات العراقية إلى صراعٍ ديني، كان صراع سياسي مع مستبد، وسمح ذلك للجميع بالمشاركة على أسس المصلحة المشتركة والمواقف الواضحة من الاستبداد الذي كان يحكم بأسماء مختلفة (من بلد إلى آخر)، ثم فجأة تحول كل ذلك الزخم السياسي إلى صراع من طبيعة أخرى عندما تعلق الأمر بتولي الحكم وتأسيس نظام يخلف النظام السابق، أهي مسألة المصير تخيف الجميع؟ أهي حداثة التجربة؟ أهي ضحالة الثقافة السياسية؟ أهي ضعف التجربة؟

 

لا بد من العمل لتأسيس ثقافة سياسية أخرى، لأنَّ السياسيين الكبار في العالم كافة يعلنون عن مواقفٍ قد يتراجعون عنها ويعلنون عن ذلك في مؤتمرات صحفية، ولربما يستقيلون من مناصبهم ليعودوا للانتخابات ويكون لتلك المواقف صدى في بلدانهم وعلى مستوى العالم، وأكثر من ذلك يمكنهم تشكيل تحالفات مع خصومهم السياسيين إذا لزم الأمر، فهذا هو العمل المدني والسياسي المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى