العراق

2030 ستشهد انفجاراً سكانياً في العراق.. فكيف ستواجهه الدولة ؟

بغداد / عراق اوبزيرفر

خلص العلماء إلى أن الانفجار السكاني الذي يلخص بأنه “اختلال التوازن بين أعداد السكان مقارنة بكميات الموارد المتاحة في منطقة ما، في مقدمها توافر الماء والغذاء والهواء، وغيرها من مستلزمات استمرار العيش”، وعندما تتجاوز الإمكانات البيئية لسكان منطقة جغرافية معينة، القدرة الاستيعابية لتلك المنطقة، ما يلحق الضرر في #البيئة بصورة أسرع مما يمكن استيعابه حتى تصل إلى نهاية غير متوقعة تعرف بالانهيار البيئي والمجتمعي.

وعند معاينة الحالة العراقية، التي وصلت إلى ما يوصف بالأزمة في العيش جراء تزايد أعداد السكان الذين وصلوا إلى 43 مليون نسمة، بزيادة تصل إلى ما يقترب من الضعف منذ 2003 حتى الآن، التي كانت عام 2003 بمعدل 23 مليون نسمة، تزيد بمقدار مليون نسمة كل عام، وعلى رغم الفوضى والحروب وتفشي الفساد وتبديد الموارد بنسبة بلغت تريليوناً و350 مليار دولار، خلال السنوات الـ20 الماضية، جراء تضاعف عائدات النفط والطاقة القصوى للتصدير بمعدل أربعة ملايين برميل سنوياً، رافقها انحسار موارد دجلة والفرات والروافد الأخرى، التي كانت تغذي العراق، وانخفاض مناسيب المياه، من دون التفكير ببناء السدود الحديثة، وسواها من العوامل، التي لا تعد ولا تحصى، كل ذلك جعل العراق يتلقى أشنع التوصيفات من المنظمات الدولية جراء فساد سلطاته، في وقت عدد السكان في حال تزايد مستمر، بمعدل أكثر من مليون فرد سنوياً، ما يعد من المهددات التي تستدعي المعاينة واتخاذ إجراءات بحسب كثير من المراقبين والعارفين في الشأن العراقي، كما يقول لـ”اندبندنت عربية” منقذ داغر مدير مجموعة “المستقلة للأبحاث” “إنها زيادة سكانية، وليست انفجاراً سكانياً، وهي زيادة حقيقية فعلية كبرى”.

يضيف داغر “يقدر أن يصل العراق في 2030 إلى أكثر من 50 مليون نسمة، وتتضاعف الأعداد بشكل كبير في ظل انخفاض كبير في مستويات التعليم في العراق نتيجة التسرب من المدارس، وفي ظل معدلات البطالة العالية نسبياً، ونزيد كل سنة بأكثر من مليون نسمة، وهذا يضيف أعداداً بعشرات الآلاف من العاطلين عن العمل”، ويؤكد مدير مجموعة “المستقلة للأبحاث” أن “العراق، في ظل هذا الواقع، مقبل على سلسلة أزمات وليس أزمة واحدة، وهذا موضوع خطير على المجتمع يجب أن تتم معالجته، وكل يوم نتأخر فيه، تتزايد آثار هذا الخطر، وما يزيد الطين بلة أنه لا يوجد انتباه لقضايا استراتيجية من هذا القبيل”.

وتبقى نسب ارتفاع عدد سكان العراق مجرد أرقام إحصائيات تراكمية، من دون تعداد سكان ميداني. ويقول الباحث مازن صاحب الشمري من مركز “حلول” للبحوث “معضلة تفسير هذا الارتفاع ومناطق وجوده يمكن أن تعود إلى متغيرات ظرفية بسبب أحداث التعامل مع تنظيم داعش أو عودة اللاجئين العراقيين من الخارج، مقابل نزوح جديد. من جانب آخر، هناك زيجات خارج المحكمة الرسمية، فضلاً عن الولادات غير المسجلة، لا سيما في المناطق الريفية حيث يسجل الطفل حين بلوغه عمر الدخول إلى المدرسة”، مضيفاً “لا أعتقد أن الجهات الحكومية ذات العلاقة، مثل وزارات الصحة والعمل والتخطيط لديها خطط ميدانية لترشيد الإنجاب، حتى إذا وجدت، فإنها لن تؤدي إلى نتائج مهمة، وهناك جانب آخر للأزمة يتعلق بالاستعداد لمواجهة الزيادة السكانية، لا سيما الهجرة من الريف إلى مراكز المدن، ما يولد ضغطاً كبيراً على الخدمات العامة، يضاف إلى ذلك أهمية تعديل الدستور العراقي ليكون هناك نائب واحد لكل 250 أو 500 ألف نسمة، من دون ذلك، يمكن أن يصبح عدد النواب أكثر من 500 نائب خلال الأعوام القليلة المقبلة”.

وفي السياق، يقول رئيس “مركز التفكير السياسي العراقي” إحسان الشمري “ما يحدث في العراق، هو انفجار سكاني، يمكن تلخيصه في الأسباب التالية: في مقدم ذلك عدم وجود سياسة أو تخطيط أو استراتيجية يمكن من خلالها تقييد الانفجار السكاني، وهذا خطأ كبير ترتكبه الدولة والجهات المعنية بالتحديد، وقد تكون وزارة التخطيط المعنية الكبرى في هذا الجانب، إضافة للوزارات المعنية بهذا الموضوع، وغياب الاستراتيجية في التخطيط السكاني سيؤثر بشكل كبير جداً على العراق وموارده ويفاقم الأزمات في الداخل، وهناك ما يرتبط بتسريبات وتقارير تشير إلى عمليات تجنيس قامت بها بعض الجهات السياسية لأغراض وأهداف محددة ترتبط بتغيير البنية الديموغرافية العراقية، وأيضاً ترتبط بحسابات سياسية تستهدف الهوية الوطنية، لذلك، أتصور أننا أمام حالة ستكون لها تداعيات كبيرة جداً، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى أن هذه الكثافة السكانية غير المسيطر عليها، ستسبب مشاكل مستقبلية كبيرة “.

وعن آليات الاحتساب السكاني، التي تعتمدها وزارة التخطيط العراقية الجهة المسؤولة الرئيسة عن الواقع السكاني، قال الناطق باسم الوزارة عبدالزهرة الهنداوي “نعتمد لتثبيت أعداد السكان على أساس معدل الولادات والوفيات، التي تسجل بنحو دقيق، إلى حد ما، من خلال تسجيل الولادات في المستشفيات، وفي المراكز الصحية، وفي البطاقة التموينية، لا سيما أن الأسر حريصة على تسجيل ولاداتها لغرض شمولها بالنظام الغذائي بواسطة البطاقة التموينية، أما الوفيات فتسجل بنحو دقيق، فلا يمكن إغفالها، والنتيجة هناك معادلة تعتمدها وزارة التخطيط في احتساب معدلات السكان، أو زيادة السكان السنوية، هذه المعادلة تعتمد بالدرجة الأساس، كما تعتمد على الهجرة الداخلية والخارجية، وتعتمد أيضاً على سند أساس يكون في عدد السكان معلوماً من الإحصاءات، إننا نتحدث عن عدد السكان منذ 2010 حيث نفذ الجهاز المركزي للإحصاء التابع للوزارة عمليات الحصر والترقيم في إطار الاستعداد لتنفيذ التعداد في ذلك العام، وأظهرت هذه العملية، وهي الحصر والترقيم للأسر والدور والمباني، أن عدد سكان العراق عام 2010 هو 31 مليوناً و500 ألف نسمة تقريباً، وبالتالي، بموجب المعدلات السنوية لنسبة النمو ومعدلات الخصوبة والولادات والوفيات، بتنا نتحدث عن 42 مليون نسمة عام 2022، ونتوقع بحلول عام 2030 أن يصل عدد السكان إلى 50 مليون نسمة”.

وعلق الهنداوي على هذه الزيادة قائلاً “بموجب حالة السكان الحالية، فالعراق صار قريباً من الدخول في ما يسمى الهبة الديموغرافية التي تكون فيها شريحة الشباب هي الغالبة، وهي شريحة السكان النشيطين اقتصادياً، ونحن اليوم نتحدث عن 56.5 في المئة من سكان العراق نشيطون اقتصادياً، ولدينا حوالى 40 في المئة دون سن الـ15 عاماً، و56 في المئة بين 15-63 سنة، ولدينا حوالى ثلاثة في المئة بعمر 64 سنة فما فوق، وبهذا التوصيف وهذه الصورة الرقمية، فإن المجتمع العراقي فتي ومنتج اقتصادياً”.

لكن يظل هناك حديث عن عمليات تجنيس لغير العراقيين تجرى في المناطق الكردية والمدن الدينية، التي تشهد توافد زوار من مختلف أنحاء العالم للدراسة والمكوث في مدن مثل كربلاء والنجف، وهذا حديث معلن قال عنه الهنداوي “في ما يتعلق بالتجنيس، فلا تتوفر لدينا بيانات توضح أن هناك تجنيساً لغير العراقيين، ولا وتوجد لدينا معطيات، بل هناك كلام لا يعتمد على أسس ولا على معلومة دقيقة، وإنما هناك من يتحدث عن وجود تجنيس ولكن لا توجد معطيات تشير إلى وجود مثل هذه الحالة”.

وعن السياسات المستقبلية لمعالجة الوضع السكاني في ظل الزيادات الحاصلة، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة التخطيط العراقية أن “هذه الزيادات السكانية، وبغض النظر عن توصيفها، فإننا بحاجة إلى سياسات بعيدة المدى تستوعبها وتحولها إلى محركات تنموية، وإلا فإننا سنكون أمام مشكلة كبيرة وتحديات خطيرة بحيث تتحول هذه الزيادات إلى أعباء تنموية تشكل أزمة كبيرة، أما السياسات بعيدة المدى، ونحن نتحدث عن مجموعة من المحاور والمسارات التي تعمل عليها وزارة التخطيط في إطار الوثيقة الوطنية للسياسات السكانية التي أطلقت في السنوات السابقة، وحدثت أخيراً بعد الظروف التي مر بها العراق، بعد جائحة كورونا وتداعياتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً الأزمات المالية والاقتصادية وما أنتجته من مشاكل وتداعيات في المشهد السكاني، فإن هذه السياسات تعتمد بالدرجة الأساس على تمكين الشباب بوصفهم الشريحة الكبرى، وعلى تحسين بيئة التعليم والصحة ومستوى السكن، والاهتمام بالفئات الهشة في المجتمع المؤلفة من كبار السن والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والإعاقة، هؤلاء أيضاً لهم مساحة من هذه الرؤى السكانية بعيدة المدى، وهي تترجم إلى مشاريع وسياسات وإجراءات وفعاليات تضطلع بها الجهات القطاعية ذات العلاقة في مجال الصحة والسكن والتعليم والتمكين كلها، فهناك جهات قطاعية، سواء كانت وزارات أو قطاعاً خاصاً وحكومات محلية في المحافظات، أو مجتمعاً مدنياً، كلها شريكة في رسم هذه السياسات”، لكن المعضلة العراقية في السكان تكمن أيضاً في طاقة العمل التي تتزايد يومياً في ظل اقتصاد ريعي لا يعتمد على إنتاجية الأفراد بل في استهلاك موارد الدولة بأكثر من 76 ‎في المئة، على حد وصف مسؤول حكومي.

 

المصدر: اندبندنت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى