
بغداد / عراق اوبزيرفر
في مشهد دبلوماسي يحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، شهدت العاصمة التركية أنقرة، انعقاد اجتماع رسمي موسع بين وفدي جمهورية العراق والجمهورية التركية لبحث ملف المياه، برعاية وحضور نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان. الاجتماع الذي احتضنته وزارة الخارجية التركية جاء في إطار الجهود المشتركة لإعادة ترتيب العلاقات المائية بين البلدين ووضع أسس تعاونٍ جديدٍ يقوم على المصالح المتبادلة والحقوق المشروعة في ظل أزمة مائية متفاقمة تهدد المنطقة برمتها.
وبعد اللقاء الوزاري، انعقدت اللجنة الفنية المشتركة بين البلدين، برئاسة وزير الموارد المائية العراقي عون ذياب من الجانب العراقي، ووكيل وزارة الزراعة والغابات التركي أبو بكر كزل كيدر من الجانب التركي، وبحضور وفود فنية متخصصة من كلا الطرفين. وقد مثّل الاجتماع الفني خطوة عملية في مسار التفاهمات السياسية، إذ ركز على سبل تعزيز التعاون في إدارة الموارد المائية ومناقشة آليات زيادة الإطلاقات من نهري دجلة والفرات نحو الأراضي العراقية، بما يخفف من وطأة الشح المائي الذي يضرب العراق منذ سنوات.
استعرض الوزير عون ذياب خلال الاجتماع صورة دقيقة عن الواقع المائي في العراق، مشيراً إلى الانخفاض الحاد في الواردات القادمة من حوضي دجلة والفرات، وما ترتب عليه من أزمات حادة في المحافظات الوسطى والجنوبية، خصوصاً في ما يتعلق بالزراعة ومياه الشرب. وأوضح أن العراق اتخذ مجموعة من الإجراءات الطارئة للتعامل مع الأزمة، غير أنّ الحل الجذري يتطلب تعاوناً فعلياً من دول المنبع، وعلى رأسها تركيا، عبر الالتزام بتخصيص حصة عادلة ومنصفة من المياه وفق القوانين الدولية والاتفاقات الثنائية السابقة.
وفي المقابل، أكد وكيل وزارة الزراعة والغابات التركي أنّ بلاده تدرك تماماً حجم المعاناة التي يمر بها العراق بسبب نقص المياه، مشيراً إلى أنّ تركيا نفسها تواجه تحديات مشابهة نتيجة التغيرات المناخية الحادة التي أثرت على جنوب شرق الأناضول وتسببت بانخفاض معدلات الأمطار بنسبة وصلت إلى 60% مقارنة بالسنوات السابقة. وأشار إلى أن الحكومة التركية تتابع عن كثب ملف المياه وتبدي حرصها على ضمان استمرار الحوار والتفاهم مع بغداد، مع مراعاة المصالح المشتركة وحاجات الشعوب في ضفتي النهرين.
الاجتماع أثمر عن تفاهمات مبدئية حول وضع حلول آنية وأخرى بعيدة المدى لأزمة المياه، تشمل تفعيل الاتفاق الإطاري للتعاون المائي بين البلدين، وتوسيع نطاق المشاريع المشتركة في مجالات إدارة الموارد المائية والبنى التحتية. كما جرى الاتفاق على عقد اجتماعات دورية للجنة الفنية المشتركة بهدف متابعة تنفيذ البنود المتفق عليها ومراجعة نسب الإطلاقات المائية بشكل مستمر.
وفي سياق متصل، قال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية خالد شمال في تصريح خاص لـ”عراق أوبزيرفر”، إنّ اللقاءات التي جرت في أنقرة تمثل “تحركاً جاداً من الحكومة العراقية لمعالجة أزمة المياه عبر الحوار والتفاهم الدبلوماسي بعيداً عن التوتر والتصعيد”.
وأشار إلى أن العراق لا يستلم سوى 30% من احتياجه الفعلي من المياه، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الزراعة ومياه الشرب، وتسبب في تراجع بيئي خطير، خصوصاً في مناطق الأهوار التي باتت مهددة بفقدان توازنها البيئي التاريخي.
وأكد المتحدث أن العراق، كدولة مصب، يعتمد في موارده المائية على أنهار مشتركة مع دول الجوار، وهو ما يتطلب ممارسة أعلى درجات الدبلوماسية والجهد الفني لإقناع تلك الدول بضرورة منح العراق حصته العادلة والمنصفة لاستدامة الحياة والزراعة والبيئة.
ويُعدّ هذا الاجتماع خطوة متقدمة في مسار العلاقات العراقية التركية، بعد أشهر من التوترات الصامتة حول ملف المياه الذي ظل أحد أعقد الملفات بين البلدين، إذ ترى بغداد أن بناء السدود التركية المتتالية دون تنسيق مسبق قد أضر بحصص العراق المائية، فيما تؤكد أنقرة أن مشاريعها تأتي ضمن نطاق حقها السيادي في التنمية الداخلية، مع استعدادها للتنسيق والتعاون الفني لضمان التوازن الإقليمي.
وبين الملفات الفنية والتعقيدات السياسية، تبقى أزمة المياه في العراق واحدة من أبرز التحديات الوطنية التي تواجه الحكومة، إذ ترتبط بالأمن الغذائي والاقتصادي والبيئي للبلاد. لكن التحرك الأخير في أنقرة يمنح بارقة أمل بإمكانية تحول الملف من ساحة خلاف إلى ميدان تعاونٍ حقيقي، تُبنى عليه خطوات جادة لإنقاذ دجلة والفرات من الجفاف وإعادة الحياة إلى شرايين العراق العطشى.



