
بغداد/ عراق أوبزيرفر
تتحرك حكومة الزيدي باتجاه إعادة تنظيم واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية التي ظلت لعقود تعمل خارج المظلة الرسمية، مع بدء إعداد استراتيجية وطنية للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، في مسعى يستهدف توسيع قاعدة القطاع الخاص وإدخال مئات آلاف الأنشطة والمشروعات والعاملين إلى منظومة التسجيل والضمان والتمويل والأسواق الرسمية.
وتكشف الأرقام حجم التحدي أمام هذا التحول، إذ أظهر آخر مسح وطني للقوى العاملة أن 66.6% من إجمالي العاملين في العراق يشغلون وظائف غير منظمة، بينما يعمل نحو 54.8% من إجمالي العمالة داخل القطاع غير المنظم، فيما أظهرت دراسة أخرى أعدت بالتعاون بين وزارة التخطيط وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 80% من القطاع الخاص العراقي يعمل بصورة غير رسمية.
وبدأت الخطوة الأحدث في هذا الملف مع تشكيل اللجنة التوجيهية الوطنية للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، التي أقرت في اجتماعها الأول في آب الماضي خارطة طريق لإعداد الاستراتيجية الوطنية، قبل أن تعقد في بغداد مطلع أيلول أول ورشة وطنية بمشاركة 39 ممثلاً عن مؤسسات حكومية وأصحاب العمل والعمال وخبراء منظمة العمل الدولية.
وتضم اللجنة وزارات التخطيط والعمل والتجارة والمالية والصناعة والزراعة والإعمار، إلى جانب البنك المركزي وهيئة الإحصاء ومجلس تطوير القطاع الخاص واتحادات الغرف التجارية والصناعات والنقابات، في محاولة لمعالجة الاقتصاد غير الرسمي باعتباره ملفاً اقتصادياً وتمويلياً واجتماعياً، وليس مجرد عملية لتسجيل الشركات والعمال.
وتعني العمالة غير المنظمة عملياً أن شريحة واسعة من العراقيين تعمل من دون تغطية كافية بالضمانات والترتيبات الرسمية، فيما كانت منظمة العمل الدولية قد قدرت في 2024 وجود أكثر من خمسة ملايين عامل غير مشمولين بالضمان الاجتماعي، إلى جانب مئات آلاف شركات القطاع الخاص التي تعمل بصورة غير رسمية.
القطاع الخاص
بدوره، قال الخبير الاقتصادي عقيل المحمداوي إن “معالجة الاقتصاد غير الرسمي يجب أن تنطلق من تطوير القطاع الخاص والنهوض بقدرته على خلق فرص العمل، لأن تسجيل النشاط الاقتصادي وحده لا يكفي إذا بقيت الشركات والمشروعات تواجه صعوبات التمويل والإجراءات والضرائب والوصول إلى الأسواق”.
وأضاف المحمداوي لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي ينبغي أن يقوم على منح أصحاب المشروعات والعاملين حوافز حقيقية للدخول في المنظومة، من خلال تبسيط التسجيل وتسهيل التمويل وتوسيع الضمان الاجتماعي والاعتماد على الخدمات الرقمية، بما يجعل القطاع الخاص أكثر قدرة على النمو والمنافسة واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل”.
وتتوافق هذه التحديات مع تشخيص صندوق النقد الدولي الذي أشار في تقريره الخاص بالعراق إلى أن ضعف تطبيق قوانين سوق العمل ومحدودية قدرة المؤسسات المعنية على الرقابة يسهمان في اتساع العمل غير الرسمي، ما يترك العاملين من دون حماية ويزيد جاذبية الوظيفة الحكومية مقارنة بالقطاع الخاص.
ويمتلك العراق منذ 2023 قانوناً جديداً للتقاعد والضمان الاجتماعي للعمال، وسّع التغطية القانونية لتشمل العاملين غير المنظمين وأصحاب العمل لحسابهم الخاص والعاملين مع أسرهم، لكن دراسات لاحقة لمنظمة العمل الدولية رصدت استمرار عقبات تتعلق بالتسجيل والوعي وكلفة الاشتراك والإجراءات الإدارية، ما أبقى شرائح واسعة خارج التغطية الفعلية.
وتزامن التحرك نحو تنظيم الاقتصاد غير الرسمي مع إطلاق العراق في أيلول برنامج العمل اللائق للفترة 2026–2029، الذي يركز خلال السنوات الأربع المقبلة على تطوير المهارات المرتبطة باحتياجات السوق، ودعم نمو الأعمال والقطاع الخاص والتنويع الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتوسيع الحماية الاجتماعية وحقوق العاملين.
ويأمل خبراء أن يضع المسار الجديد الحكومة أمام معادلة تتجاوز تسجيل المحال والورش والشركات الصغيرة، إلى محاولة تحويل النشاط الاقتصادي غير المنظم إلى قطاع قادر على الحصول على التمويل والضمان والحماية القانونية، وفي المقابل يصبح جزءاً قابلاً للقياس من الاقتصاد الوطني ومنظومة التخطيط والإنتاج.




