تحليلاتخاص

المدنيون يفقدون البوصلة السياسية.. جمهور تشرين خارج المعادلة الانتخابية

بغداد/ عراق أوبزيرفر
بينما تشهد البلاد واحدة من أكثر العمليات الانتخابية حساسية منذ عام 2003، يلوح في الأفق غياب شبه تام للتيار المدني وقوى احتجاجات تشرين عن المشهد، بعد أن كانت قبل سنوات فقط في موقع الصدارة، قادرة على تحريك الشارع وكسر احتكار السلطة.

من الشارع إلى الهامش
كانت انتفاضة تشرين 2019 لحظة فارقة في الوعي السياسي العراقي، إذ منحت الشباب أملاً بإمكانية التغيير عبر العمل السلمي والتنظيم المدني، ودفعت عدداً من الوجوه الجديدة إلى البرلمان في انتخابات 2021.
غير أن تلك التجربة لم تدم طويلاً، فسرعان ما دخلت القوى المنبثقة من الاحتجاجات في دوامة الخلافات التنظيمية والانقسامات الشخصية، ما أدى إلى تآكل تأثيرها وانسحابها من مركز الفعل السياسي.
ويشير مراقبون إلى أن غياب الرؤية الواضحة والمشروع السياسي المتكامل جعل القوى المدنية عاجزة عن الاستمرار كخيار ثالث أمام هيمنة الأحزاب الدينية التقليدية. فقد فشلت في تحويل الزخم الجماهيري الذي صنعته الشوارع إلى هيكل سياسي متماسك قادر على المنافسة.

انقسام وتيه تنظيمي
ويؤكد باحثون أن الانقسام بين التيارات المدنية نفسها كان أحد أبرز أسباب التراجع، إذ تنافست شخصيات “تشرينية” على التمثيل والزعامة بدلاً من الاتفاق على برنامج موحد.
ومع مرور الوقت، تحولت شعارات مثل “نريد وطن” إلى رموز رمادية بلا امتداد سياسي، خاصة بعد أن اختار بعض الناشطين الانخراط في تحالفات مع قوى السلطة القديمة، ما أفقدهم ثقة جمهورهم.

وبحسب مختصين تحدثوا لـ”عراق أوبزيرفر”، فإن “نظام المحاصصة الحزبية” استطاع امتصاص العديد من الكيانات المدنية عبر إغراءات المناصب والدعم المالي، فاختفى التمايز بينها وبين الطبقة السياسية التي كانت ترفع ضدها شعارات الرفض.
بدوره اعتبر المحلل السياسي رمضان البدران أن مشروع التيار المدني في الانتخابات “يفتقر إلى رؤية شاملة تُحاكي بناء الدولة وتستوعب مطالب الشارع”.

وقال البدران لـ”عراق أوبزيرفر”، إن “التيار المدني لا يمتلك مشروعاً جامعاً، ما حوّل مطلب التغيير إلى مجرد شعارات لا تجذب قاعدة شعبية واسعة”، مضيفاً أن أن “الفراغ في مشروع بديل أدى إلى بروز وجوه جديدة لكنها لا تختلف جوهرياً عن النخب التقليدية، محذراً من انتقال البلاد تدريجياً نحو نظام أوليغارشي تهيمن عليه عوائل ونخب مترابطة تحافظ على نفوذها وتغلق المجال أمام مشاركة فاعلة للشعب”.
وأشار البدران إلى أن “قواعد اللعبة السياسية الحالية خاطئة، إذ تسمح بتبلور سلطات عائلية واقتصادية تقود إلى تباعد بين النخبة و80% من الشعب الصامت”، داعياً إلى “إصلاحات جذرية في قواعد التنافس السياسي تتضمن توسيع المشاركة الشعبية واحترام الدستور وتعزيز مؤسسات الدولة لاحتواء المخاطر دون الوصول إلى انهيار النظام السياسي”.
وختم بالقول إن “الإصلاح ممكن لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية ومشروعاً مدنياً قابلاً للتطبيق يلم شتات الكتل المدنية المتناثرة”.

غياب جمهور تشرين عن صناديق الاقتراع
وخلال الأعوام الماضية، سعى عدد كبير من النواب السابقين والناشطين الذين برزوا من رحم احتجاجات تشرين إلى الالتحاق بتحالفات انتخابية تضم أحزاباً من السلطة، أملاً في الحفاظ على حضورهم السياسي، لكن هذه الخطوة ارتدت عليهم، إذ خسر معظمهم رصيدهم الشعبي بعد أن فُسّر تحالفهم بأنه تنازل عن مبادئ التغيير التي خرج من أجلها المحتجون.
ويقول مراقبون إن الشارع لم يعد يثق بالوجوه التي رفعت شعار “إسقاط النظام” ثم عادت لتشارك فيه، ما جعل جمهور تشرين يتجه إلى العزوف أو المقاطعة، خصوصاً مع غياب البدائل المدنية المقنعة.
وتظهر المؤشرات الأولية أن نسبة المشاركة بين الشباب متدنية جداً، خصوصاً في المدن التي كانت بؤر الحراك مثل بغداد والناصرية وكربلاء. ويرى خبراء أن هذا العزوف هو رسالة احتجاج صامتة تعبّر عن فقدان الأمل في جدوى التغيير عبر الانتخابات، بعد أن تحولت صناديق الاقتراع، بنظرهم، إلى جزء من لعبة مغلقة تُعيد إنتاج القوى ذاتها.
ويشير الباحثون إلى أن النظام السياسي العراقي بات يمتلك قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات وإعادة تدوير النخب، ما يجعل أي قوة إصلاحية جديدة تصطدم سريعاً بجدار المصالح الراسخ، دون أن تتمكن من فرض تغيير حقيقي في بنية الحكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });