
بغداد/ عراق أوبزيرفر
بعد أكثر من عقدين على اعتماد النظام الديمقراطي، لا تزال ظاهرة التضخم الحزبي تطغى على المشهد الانتخابي في العراق، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي.
وبدل أن تسهم هذه التعددية في إثراء التجربة السياسية، يرى مراقبون أنها أصبحت وسيلة لإرباك الناخب وتفتيت الأصوات، وسط انتشار ما يُعرف بـ”الكيانات الظلية” و”الأحزاب الوهمية” التي غالباً ما تُؤسس لهدف انتخابي مؤقت ثم تختفي بعد انتهاء عملية الاقتراع أو تُدمَج بتحالفات أكبر.
وبحسب بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فإن عدد الأحزاب المجازة بلغ 343 حزباً مع انتهاء فترة التسجيل يوم الخميس الماضي، فيما أبدى 118 منها فقط رغبته بالمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة.
أما عدد الأحزاب قيد التأسيس فقد وصل إلى 60 حزباً، ما يكشف حالة من السيولة السياسية التي تكاد تنفرد بها الساحة العراقية.
وفي هذا السياق، قال رئيس الفريق الإعلامي في المفوضية، عماد جميل، في تصريح صحفي، إن “تسجيل الأحزاب يتم بشكل قانوني، وأن جميع المعايير متحققة في الأحزاب المسجلة، ويحق لجميعها تقديم قوائم مرشحيها اعتبارًا من 25 أيار/مايو الجاري وحتى 24 حزيران/يونيو المقبل”.
وأضاف أن “المفوضية جاهزة لجميع التحديات، وأن موضوع عدد الأحزاب متوقع وطبيعي في العراق، ولن تكون هناك أية صعوبة في التعامل مع هذه القضية، سواء في تسجيلها أو في الاقتراع العام”.
لكن في المقابل، يُحذر مختصون من أن هذه الأرقام تخفي وراءها مشهداً ملتبساً، حيث تُستخدم بعض الكيانات الحزبية كأدوات لتعزيز نفوذ القوى التقليدية، أو للتأثير على توزيع المقاعد في الدوائر المتنافسة.
الجلد السياسي يتغير
ويقول المحلل السياسي رافد العطواني إن “الأحزاب التقليدية في العراق تعيد اعتماد أساليب قديمة عبر تشكيل كيانات سياسية ظلّية، بهدف حجب الأصوات عن منافسيها الجدد وتحجيم تأثير قوى التغيير في الساحة السياسية”.
وأوضح العطواني في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “هذه الأحزاب لا تهدف إلى كسب عدد كبير من المقاعد عبر هذه الكيانات الظلية، بل تسعى لضمان عدم ذهاب الأصوات التي تعتبرها غير مضمونة إلى الأطراف المناوئة التي تسعى لتغيير المعادلة السياسية”.
وبيّن أن “هذه الكيانات عادة ما تحقق مقاعد قليلة في الدوائر الانتخابية، لكنها تلعب دورًا استراتيجيًا في تقسيم الأصوات وإضعاف خصومها”، لافتاً إلى أن “الأحزاب المخضرمة تحاول أيضًا التماهي مع مزاج الشارع العراقي المتعطش للتغيير، عبر تبني دعايات وشخصيات مدنية أو عشائرية بدلاً من الرموز الدينية التقليدية”.
وبحسب العطواني، فإن هذا التحول يكشف ما سماه بـ”تغيير الجلد السياسي”، في ظل انحسار الخطابات الدينية لصالح خطاب مدني أو عشائري، خصوصاً بعد احتجاجات تشرين التي أحدثت شرخاً في العلاقة بين الشارع والطبقة السياسية المهيمنة.
وفي ظل هذا الواقع، يرى مراقبون أن ظاهرة “الكيانات المؤقتة” لا تخلو من بعد تجاري أيضاً، حيث تُمنح بعض الأحزاب الصغيرة فرص الدخول في تحالفات كبرى مقابل تنازلات سياسية أو مالية، ما يكرّس منطق المحاصصة على حساب التمثيل الحقيقي.
وفي الوقت ذاته، ارتفع عدد التحالفات السياسية إلى 66 تحالفًا حتى شهر أيار/مايو الحالي، وهو مشهد رآه مختصون يكشف حجم التشتت والانقسام داخل الطبقة السياسية، ويدفع نحو تشكيك واسع بإمكانية أن تُفرز الانتخابات المقبلة خارطة سياسية جديدة أو بدائل حقيقية.
ويؤكد خبراء في القانون الانتخابي أن التعديلات المتكررة على قانون الانتخابات، وعدم فرض ضوابط صارمة على تسجيل الأحزاب والتحالفات، ساهمت في خلق بيئة خصبة لهذه الظواهر، ما يضعف من ثقة المواطن بالعملية السياسية برمّتها.
ومع انطلاق العد التنازلي للانتخابات، تتعاظم التحديات أمام الناخب العراقي، الذي بات مطالباً ليس فقط باختيار مرشحه، بل بفرز الحقيقي من الوهمي، والمشروع السياسي من مجرّد الغلاف التمويهي لتحالفات خفية ترعى استمرار اللعبة كما هي.




