العراقالمحررتحليلاتخاصرئيسية

بعد إعلان إلغاء تفويض الرئيس الاميركي بضرب العراق دون العودة للكونغرس الصادر في التسعينيات.. هل انتهى سيناريو إسقاط النظام العراقي؟

بغداد / عراق اوبزيرفر

في خطوة وُصفت بالتاريخية، صوّت مجلس النواب الأمريكي بالأغلبية على إلغاء تفويضات استخدام القوة العسكرية المرتبطة بالعراق، وذلك ضمن مشروع قانون “تفويض الدفاع الوطني” للسنة المالية الجديدة، والذي يحدد السياسات العسكرية العامة للولايات المتحدة. ويأتي هذا التحرك بعد سنوات من الجدل حول قانونية هذه التفويضات وتداعياتها على السياسة الخارجية الأميركية، خاصة في الشرق الأوسط.

*تصويت غير تقليدي وتأييد عابر للحزبين

شهد التصويت مفاجآت على مستوى الاصطفاف الحزبي، إذ أقر المجلس القانون بأغلبية 231 صوتًا مقابل 196، مع دعم نادر من بعض الجمهوريين. فعلى الرغم من أن أربعة فقط من الجمهوريين صوتوا ضده، إلا أن 17 ديمقراطيًا انضموا للأغلبية الجمهورية، ما أتاح تمرير القانون في ظل خلافات حادة حول بعض التعديلات الملحقة به.

غير أن النقطة الأبرز في هذا القانون كانت إلغاء تفويضَي الحرب المرتبطين بالعراق: تفويض عام 1991 المرتبط بحرب الخليج لتحرير الكويت، وتفويض عام 2002 الذي استخدمه الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين. وقد حظي هذا التعديل بتأييد واسع، إذ صوّت لصالحه 261 نائبًا مقابل 167، بدعم كامل من الكتلة الديمقراطية و49 نائبًا جمهوريًا – أي ما يقارب خمس أعضاء الحزب الجمهوري.

قرار يغلق باب التدخل العسكري المفتوح

وعلى الجانب العراقي، يرى الخبير القانوني علي التميمي أن هذا القرار يمثل تحولًا كبيرًا في علاقة الولايات المتحدة مع العراق، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل، بعيدًا عن شبح التدخلات العسكرية غير المنضبطة.

وأوضح التميمي في حديث لـ عراق اوبزيرفر، أن “هذا القرار يعني أن أي تحرك عسكري أمريكي مستقبلي ضد العراق لن يتم إلا بعد الحصول على موافقة الكونغرس الأمريكي بشقيه – مجلس النواب ومجلس الشيوخ – ما يقلّل من احتمالية خوض الولايات المتحدة حرباً جديدة ضد العراق، سواء في عهد الرئيس الحالي أو الرؤساء القادمين”.

وبحسب التميمي فإن “المقصود بإلغاء التفويض هو تصويت على سحب القوانين القديمة التي أُقرت عام 1991 و2002، والتي كانت قد منحت الرئيسين جورج بوش الأب وجورج بوش الابن صلاحيات لشن الحروب على العراق في حينها”، منوها الى أن “تفويض 1991 جاء لشن حرب الخليج بهدف تحرير الكويت، بينما خُصص تفويض 2002 لشن الحرب على العراق وإسقاط نظام صدام حسين”، مشيرًا إلى أن هذه التفويضات لم تعد ضرورية في ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة.

وبيّن أن “الدافع الأساسي لإلغاء هذه القوانين هو أن مبرراتها لم تعد قائمة، وأن بقاءها يمنح أي رئيس أميركي مستقبلي صلاحيات قانونية مفتوحة للتدخل العسكري في العراق أو المنطقة دون الرجوع للكونغرس، ما يشكل خطرًا على سيادة الدول المعنية”.

مضامين استراتيجية

لا يقتصر الأمر على الجانب القانوني فقط، إذ أشار التميمي إلى البعد الرمزي لهذا الإلغاء، والذي يعبّر عن تحول في النظرة الأميركية تجاه العراق.

“هذا القرار يسهم في تعزيز الاستقرار ويضع حدًا للتكهنات بشأن تدخل عسكري أميركي محتمل أو تغيير النظام في العراق، كما يرسخ التعاون الثنائي بين بغداد وواشنطن وفق اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو الأمني”، بحسب التميمي.

كما لفت التميمي إلى أن هذا التعديل لا يلغي التعاون القائم بين البلدين، خصوصًا في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، بل يعيد تنظيمه ضمن أطر قانونية جديدة، بعيدة عن قوانين الحرب القديمة التي فُصلت لزمن لم يعد قائمًا.

الخلفيات السياسية لقرار الإلغاء

في الجانب الأميركي، يعتبر منتقدو تفويض 2002 أنه استخدم مرارًا لتبرير تدخلات عسكرية مثيرة للجدل، من أبرزها الضربة الجوية التي أمر بها دونالد ترامب في عام 2020، والتي أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس في العاصمة العراقية بغداد.

ورغم أن الكونغرس الأميركي سبق أن صوّت عام 2021 على إلغاء تفويض 2002، وصادق مجلس الشيوخ عام 2023 على مشروع مشابه يشمل التفويضين معًا، فإن إلغاءهما الآن ضمن قانون الدفاع الوطني يمثل نقلة تشريعية هامة، تُعيد ضبط التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ما يتعلق بقرارات الحرب.

قانون الدفاع.. خلافات تتجاوز العراق

رغم أن قانون الدفاع الوطني يُعد من مشاريع القوانين النادرة التي تحظى عادة بتوافق واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن هذه الدورة شهدت خلافات عميقة حول عدد من البنود، أبرزها قيود على تغطية وزارة الدفاع للرعاية الصحية المتعلقة بتأكيد الهوية الجنسية، وهي بنود هدد الديمقراطيون بسببها بالتصويت ضد القانون بأكمله.

لكن، ورغم الخلافات، فإن تمرير تعديل إلغاء تفويضات الحرب يُعتبر نقطة تقاطع نادرة بين الحزبين في قضايا الأمن القومي، كما أنه يُرسل إشارات مهمة للحلفاء والخصوم في الشرق الأوسط، مفادها أن الولايات المتحدة تسعى لإغلاق صفحة التدخلات العسكرية المفتوحة وإعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });