
بغداد/ عراق أوبزيرفر
بعد إعلان فصائل عراقية استعدادها للمضي باتجاه تسليم سلاحها، عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة ليحتل صدارة النقاش السياسي والأمني، وسط تساؤلات تتعلق بآليات التنفيذ، وحدود الخطوة المطروحة، وما إذا كانت تمثل نزعاً فعلياً للسلاح أم إعادة تنظيم له ضمن أطر رسمية قائمة.
وخلال الأيام الماضية، صدرت مواقف علنية من قيادات فصائل مسلحة تؤكد القبول بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث التوقيت والسياق، بالتوازي مع حديث متداول داخل الأوساط السياسية عن توجه لتشكيل لجنة تنسيقية عليا بصلاحيات تنفيذية لمتابعة هذا الملف، تشمل الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والطائرات المسيّرة، من دون استثناء أي جهة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المقاربة الحكومية المطروحة تحاول الاستفادة من تجارب سابقة مر بها العراق، أبرزها تجربة الصحوات السنية بعد عام 2010، حين جرى سحب السلاح مقابل دمج جزئي للمقاتلين في المؤسسات الأمنية، فضلاً عن نماذج أخرى جرى تداولها في سياقات مختلفة، تقوم على تسليم السلاح ضمن آليات منظمة وتحت إشراف الدولة.
غير أن تعقيدات الواقع الحالي تجعل من استنساخ تلك التجارب مسألة شديدة الصعوبة، في ظل اختلاف طبيعة الفصائل، وحجم التسليح المتراكم، وتشابك الأدوار بين العمل العسكري والسياسي، إضافة إلى ارتباط بعض هذه التشكيلات بتمثيل حكومي وبرلماني مباشر.
نزع السلاح أم إعادة تنظيمه؟
ويبرز في خضم هذ الجدل سؤال أساسي يتعلق بمفهوم “حصر السلاح” نفسه، وهل المقصود به سحب السلاح من الفصائل بالكامل، أم إعادة تجميعه داخل مؤسسات قائمة، مثل هيئة الحشد الشعبي، أم نقله إلى وزارتي الدفاع والداخلية وفق آليات محددة.
وفي هذا السياق، يرى مختصون أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ الحصر بقدر ما يرتبط بكيفية تطبيقه، والجهة التي ستتولى إدارة السلاح، وما إذا كانت الدولة قادرة على فرض مسار واضح وشفاف ينهي حالة تعدد مراكز القوة، أم أن العملية ستبقى محكومة بتوازنات سياسية وضغوط داخلية وخارجية.
معادلة معقدة
بدوره قال الخبير الأمني مخلد حازم إن “ملف حصر السلاح بيد الدولة يمثل معادلة معقدة جداً، ويصعب حلها وفق الصيغة التي طُرحت حتى الآن”، مبيناً أن “السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بالحصر، بل بنوعية السلاح الذي سيُحصر، والجهة التي سيتبع لها، والمكان الذي سيُخزن فيه”.
وأضاف حازم لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الإشكالية تكمن في أن عدداً من الفصائل المنخرطة في هذا المسار هي أصلاً جزء من هيئة الحشد الشعبي، ولا تمتلك تشكيلات خارج هذا الإطار، بينما تمتلك فصائل أخرى تمثيلاً سياسياً وحكومياً وبرلمانياً، ما يجعل من الصعب الفصل بين البعد الأمني والبعد السياسي”.
وأشار إلى أن “الحديث عن التمسك بالسلاح بذريعة حماية البلد يضعف من صورة القوات المسلحة العراقية، ويمنح انطباعاً بوجود قوى موازية تمتلك قدرات أكبر، وهو ما ينعكس سلباً على مفهوم السيادة وقدرة الدولة على إدارة شؤونها داخلياً وخارجياً”.
وأكد أن “تسليم القرار الأمني للقوات المسلحة العراقية وحدها هو ما يمنح البلاد الاستقرار والسيادة، أما استمرار ازدواجية السلاح فيبعث برسائل مقلقة للداخل والخارج”، لافتاً إلى أنه “حتى هذه اللحظة لا توجد آلية واضحة ومعلنة لكيفية تنفيذ هذا المسار”.
بين الماضي والحاضر
ويستحضر هذا الجدل تجربة الصحوات التي نجحت أمنياً في سحب السلاح المنظم، لكنها تعثرت لاحقاً في إدارة مرحلة ما بعد التفكيك، بسبب غياب الحلول المستدامة لدمج المقاتلين اجتماعياً واقتصادياً، وهو ما يخشى مختصون من تكراره في حال لم يُدار ملف الفصائل وفق رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة.
وفي ظل غياب تفاصيل رسمية واضحة، يبقى مسار حصر السلاح بيد الدولة مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين نزع حقيقي يعيد الاعتبار لسلطة الدولة، أو إعادة تنظيم قد تعيد إنتاج الإشكالية بصيغة مختلفة، في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي يواجهه العراق في واحدة من أكثر ملفاته حساسية.



