
بغداد / عراق اوبزيرفر
منذ عام 2005 حين أجريت أول انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام صدام حسين، شكّلت صناديق الاقتراع في العراق مؤشراً حيّاً على طبيعة المزاج الشعبي، ومستوى الثقة بالعملية السياسية، ومقدار التفاعل بين الناخبين والقوى الحزبية. وإذا كانت التجربة قد بدأت بمشاركة واسعة نسبياً وصلت إلى أكثر من ثلثي الناخبين في بعض الجولات، فإن المسار العام كشف مع مرور السنوات عن خط بياني متراجع باستمرار، بلغ أدنى مستوياته في انتخابات 2018 و2021.
*البداية: مقاطعة سنية وحماس شيعي كردي
كانت انتخابات كانون الثاني 2005 محطة مفصلية، إذ شكلت الجمعية الوطنية الانتقالية أول مؤسسة منتخبة تضع اللبنات الأولى للدستور الجديد. لكن هذه الانتخابات لم تكن جامعة لكل المكونات، فقد قاطعت غالبية المحافظات ذات الأغلبية السنية العملية الانتخابية احتجاجاً على الاحتلال الأميركي ومخرجات العملية السياسية. في المقابل شهدت محافظات الجنوب والفرات الأوسط، إضافة إلى إقليم كردستان، مشاركة واسعة وحماساً ملحوظاً، الأمر الذي انعكس على تركيبة الجمعية حيث هيمنت الأحزاب الشيعية والكردية.
بلغت نسبة المشاركة الكلية 58.3%، أي نحو 8.5 ملايين ناخب من أصل قرابة 14.6 مليون مسجل. ورغم أن الرقم بدا مقبولاً في حينه، إلا أنه كان يعكس خللاً بنيوياً خطيراً: العملية السياسية انطلقت وهي تفتقد لشرعية مكوّن أساسي من الشعب.
*انتخابات كانون الأول 2005 – عودة السنة وصعود التمثيل الوطني
بعد أشهر قليلة، أُجريت انتخابات مجلس النواب الأول في كانون الأول 2005. هذه المرة شاركت معظم القوى بما فيها المكوّن السني الذي أدرك خطورة المقاطعة، فارتفعت نسب المشاركة بشكل كبير لتصل إلى حوالي 79.6%، أي أكثر من 12.4 مليون ناخب من أصل 15.5 مليون.
هذا الارتفاع المفاجئ منح العملية السياسية دفعة قوية، إذ بدا وكأن العراقيين استوعبوا درس المقاطعة، وتوجهوا بكثافة لصناديق الاقتراع لضمان تمثيل أفضل. توزعت نسب التصويت بين المحافظات بشكل متقارب نسبياً، ما عكس نوعاً من التوازن الوطني في المشاركة. لكن في العمق، كانت المشاركة تعكس أيضاً طبيعة النظام الذي بدأ يتكرّس على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية.
*انتخابات آذار 2010 – تحسن أمني ومنافسة محتدمة
في 7 آذار 2010 جرت الانتخابات الثانية لمجلس النواب في ظل تحسّن نسبي بالوضع الأمني مقارنة بسنوات العنف الطائفي 2006–2007. بلغت نسبة المشاركة الرسمية 62%، وهو رقم متوسط إذا ما قورن بانتخابات 2005 الثانية، لكنه يعكس استمرار حيوية الناخب العراقي في تلك المرحلة.
*انتخابات نيسان 2014 – تهديدات داعش ومشاركة مستقرة
في 30 نيسان 2014 توجه العراقيون لصناديق الاقتراع وسط أجواء أمنية مضطربة، إذ كانت الاعتصامات مستمرة في الأنبار، فيما كانت نينوى على أبواب السقوط بيد “داعش” بعد أسابيع قليلة. ومع ذلك بلغت نسبة المشاركة المعلنة 60.5% (13 مليون ناخب من أصل 21.5 مليون)، وهو رقم يعكس تمسك قطاعات واسعة بالتصويت كوسيلة وحيدة للتعبير السياسي.
غير أن ما جرى بعد الانتخابات، مع اجتياح “داعش” واحتلال ثلث مساحة البلاد، قلب المشهد رأساً على عقب. فقد برز انطباع عام بأن الإرادة الشعبية لا تُترجم إلى استقرار أو أمن أو سيادة، ما مهّد الطريق لاحقاً لتآكل الثقة بالعملية الانتخابية.
*انتخابات آيار 2018 – بداية العزوف الكبير
مثّلت انتخابات 12 آيار 2018 نقطة تحوّل كبرى في علاقة المواطن العراقي مع صناديق الاقتراع. فبعد سنوات من التجارب الفاشلة في تشكيل الحكومات، وتكرار الأزمات، وتغلغل الفساد في مؤسسات الدولة، قرر الملايين مقاطعة الانتخابات، لتبلغ نسبة المشاركة 44.5% فقط، وهي الأدنى في تاريخ العراق حتى ذلك الحين.
*انتخابات 2021 – عزوف أعمق
جاءت انتخابات تشرين الأول 2021 استجابة لمطالب احتجاجات تشرين 2019، حيث طالب الشارع بتغيير جذري للنظام السياسي.
أُجريت الانتخابات بقانون جديد، وتوزيع مختلف للدوائر، أملاً في إتاحة فرص أكبر للمرشحين المستقلين. لكن النتيجة جاءت مخيبة: نسبة المشاركة الرسمية لم تتجاوز 41% (ثم رُفعت إلى 43% في الإعلان النهائي)، ما شكّل أدنى نسبة تصويت في جميع الانتخابات البرلمانية العراقية.
رغم ذلك، أفرزت الانتخابات صعود عدد من القوى الجديدة والمستقلين، لكن التوازن العام ظل بيد الأحزاب التقليدية. الأمر الذي عزز قناعة الشارع بأن “اللعبة الانتخابية” مصممة لإعادة تدوير نفس الطبقة السياسية مهما تغيّر القانون.
*قراءة تحليلية لمسار التراجع
عند النظر إلى المسار الممتد بين 2005 و2021، نلاحظ أن نسب المشاركة بدأت من 58% ثم قفزت إلى ما يقارب 80%، قبل أن تبدأ بالتراجع التدريجي: 62%، ثم 60%، ثم السقوط إلى 44%، وأخيراً 41%.
*أسباب العزوف
يرى عضو مفوضية الانتخابات السابق، سعيد كاكائي أن السبب الأساسي لتراجع نسب المشاركة في الدورات الانتخابية السابقة يعود إلى غياب الخدمات الأساسية التي تشكّل عمود حياة المواطن اليومية، بدءاً من الكهرباء والماء والصحة والتعليم، وصولاً إلى فرص العمل والتنمية الاقتصادية.
ويضيف كاكائي في حديث لـ “عراق اوبزيرفر”، أن هذا الغياب ترافق مع وعود انتخابية كاذبة أطلقها المرشحون والأحزاب، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ، ما جعل شريحة واسعة من العراقيين تفقد الثقة تماماً بالعملية السياسية، وتنظر إلى الانتخابات باعتبارها لعبة لتدوير الطبقة نفسها.
*الحلول المقترحة
ورغم تشاؤمه حيال المشاركة المقبلة، شدّد كاكائي على أن زيادة نسب المشاركة ليست مستحيلة إذا ما أقدمت الأحزاب على خطوات ملموسة. أول هذه الخطوات، بحسب قوله، هو تقديم برامج انتخابية مفصلة وشاملة تستهدف جميع شرائح المجتمع وقطاعات الحياة الاجتماعية، بحيث يلمس المواطن أن هناك رؤية متكاملة لإصلاح قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة والاقتصاد.
كما دعا إلى الاهتمام بالكفاءات والخبرات الوطنية، مؤكداً أن البلاد تعاني من غياب مرشحين يمتلكون القدرة الحقيقية على فهم المواد الدستورية والصيغ التشريعية، وإدارة شؤون الدولة بجدية.
وأوضح أن كثيراً من الذين وصلوا إلى البرلمان في الدورات السابقة لم يمتلكوا الأدوات اللازمة للتشريع أو الرقابة، وهو ما انعكس على ضعف أداء المؤسسة التشريعية وفقدان ثقة الشارع بها.
*واقع الناخبين الجدد
انتقل كاكائي للحديث عن الشريحة الشبابية التي تشكل دائماً مؤشراً حاسماً في أي انتخابات. وبين أن أكثر من مليون ناخب جديد أُضيفوا إلى سجل الناخبين حديثاً، لكن نحو 800 ألف فقط منهم قاموا بتحديث بياناتهم الانتخابية، بينما لم يُحدث ما يقارب 400 ألف شاب بطاقاتهم البايومترية.
هذا الخلل، بحسب كاكائي، يعني أن نسبة المشاركة قد تكون موازية تماماً لانتخابات 2021.



