
بغداد/ عراق أوبزيرفر
يفتح قرار الحكومة العراقية توجيه الأموال المستردة من عمليات مكافحة الفساد إلى “صندوق الأجيال” مساراً جديداً في التعامل مع الأموال المنهوبة بعد استعادتها، عبر الانتقال من إعادتها إلى الدورة المالية العامة وإنفاقها ضمن أبواب الموازنة، إلى محاولة تحويل جزء منها إلى أصل مالي طويل الأمد يمكن أن يشكل احتياطياً للأجيال المقبلة.
وأعلن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تأسيس صندوق الأجيال ورصد 1.5 تريليون دينار له، مؤكداً أن الأموال التي تستردها الدولة من عمليات مكافحة الفساد ستضاف إلى حساب الصندوق، في خطوة تربط للمرة الأولى بصورة مباشرة بين مسار ملاحقة الأموال المنهوبة وبين بناء وعاء مالي مخصص للمستقبل.
وجاء رفع رصيد الصندوق بعد حزمة تمويلية حكومية أقرت في الرابع من تشرين الأول الجاري، تضمنت إضافة 500 مليار دينار إلى رصيده السابق البالغ تريليون دينار، بالتوازي مع تخصيصات لتحريك قطاعات الإسكان والصناعة والزراعة والمقاولات، ما يضع الصندوق ضمن توجه اقتصادي أوسع تسعى من خلاله الحكومة إلى إدارة جزء من الموارد بمنظور يتجاوز الإنفاق المباشر.
وتمنح إضافة الأموال المستردة من ملفات الفساد الصندوق مصدراً آخر للنمو إلى جانب التخصيصات الحكومية، إذ يعني استمرار عمليات الاسترداد أن جزءاً من الأموال التي خرجت سابقاً من خزينة الدولة يمكن أن يعود إليها بصورة مختلفة، عبر تحويله إلى مورد طويل الأمد بدلاً من استهلاكه مجدداً ضمن النفقات الجارية.
بدوره أكد الخبير الاقتصادي عبدالسلام حسن أن “تأسيس صندوق للأجيال يمثل خطوة مهمة باتجاه بناء أدوات مالية طويلة الأمد، خصوصاً أن العراق يمتلك موارد نفطية كبيرة لكنه ما يزال بحاجة إلى آليات تحول جزءاً من موارده وأمواله المستردة إلى أصول واستثمارات تحفظ حقوق الأجيال المقبلة، ومن الضروري أن يتجه العراق إلى إنشاء وتطوير الصناديق السيادية أسوةً بعدد من دول الجوار والدول النفطية التي استطاعت تحويل جزء من عائداتها إلى محافظ استثمارية وأصول مستدامة”.
وأوضح حسن في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “إضافة الأموال المستردة من عمليات مكافحة الفساد إلى صندوق الأجيال تحمل بعداً اقتصادياً مهماً لأنها تنقل التعامل مع هذه الأموال من مفهوم الاسترداد وحده إلى مفهوم إعادة الاستثمار لمصلحة الدولة والمواطن، لكن نجاح التجربة يحتاج إلى إطار واضح لإدارة الصندوق وحوكمة عالية وشفافية في إدارة موارده وتحديد مجالات الاستثمار بما يضمن تنمية رأس المال وعدم استخدامه لتغطية الإنفاق التشغيلي أو الاحتياجات الآنية”.
ويأتي التوجه الجديد بالتزامن مع تصاعد الحملة الحكومية لمكافحة الفساد واسترداد الأموال والأصول، ما يجعل حجم الموارد التي يمكن إضافتها مستقبلاً إلى الصندوق مرتبطاً بنتائج عمليات الاسترداد، ويمنح تلك العمليات بعداً اقتصادياً يتجاوز ملاحقة المتورطين واستعادة المال العام.
وتراهن الحكومة على أن يشكل صندوق الأجيال جزءاً من رؤية أوسع لتنويع أدوات إدارة الموارد العراقية، في ظل اقتصاد ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية ويتأثر بتقلبات الأسعار والأزمات الإقليمية والدولية، فيما أكد الزيدي أن حكومته تتجه نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وموازنة للبرامج والأداء وربط الإنفاق الحكومي بالنتائج.
وبذلك، يمكن أن يتحول قرار توجيه الأموال المستردة إلى الصندوق من إجراء مرتبط بمكافحة الفساد إلى أداة لبناء احتياطي استثماري طويل الأمد، بحيث لا تنتهي رحلة الأموال المنهوبة عند استردادها، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أخرى تتمثل في تحويلها إلى رأسمال محفوظ ومستثمر لحساب الأجيال المقبلة.




