
بغداد/ عراق أوبزيرفر
لم تعد حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي شأناً عراقياً داخلياً، بعدما تجاوز صداها الحدود، وبدأت تتردد في عدد من الدول العربية التي تعاني تحديات مماثلة، وسط دعوات لاستلهام التجربة العراقية في ملاحقة المتهمين بالفساد واسترداد الأموال العامة، في مؤشر على أن ما يجري في بغداد بات يحظى بمتابعة إقليمية بوصفه نموذجاً قابلاً للنقاش والاستفادة.
وجاء هذا التفاعل بعد الحملة الأخيرة التي شملت تنفيذ أوامر قبض بحق مسؤولين ونواب وموظفين كبار متهمين بقضايا فساد، إلى جانب ضبط مبالغ مالية ومصوغات ذهبية، فضلاً عن استمرار الحكومة في التأكيد على المضي باسترداد الأموال العامة وملاحقة المتورطين وفق الأطر القانونية.
وفي لبنان، لاقت الحملة العراقية إشادة من النائب ميشال ضاهر، الذي كتب عبر منصة “إكس” أن الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون كان يردد دائماً: “إذا أردت أن تعرف ما سيجري في لبنان، تابع ما يجري في العراق”، مضيفاً أنه بعد انطلاق حملة مكافحة الفساد في العراق واعتقال عدد من السياسيين ومصادرة مليارات تعود للشعب العراقي، لا بد من تهنئة الحكومة والشعب العراقيين، معرباً عن أمله في أن تشهد لبنان حملة مماثلة لملاحقة الفساد.
أما في ليبيا، فقد تحولت الحملة العراقية إلى محور نقاش سياسي وإعلامي واسع، إذ استغل رئيس حزب “صوت الشعب” فتحي الشبلي ما يجري في العراق لتوجيه انتقادات إلى أعضاء مجلس النواب الليبي، معتبراً أن بعض المسؤولين يتصرفون وكأنهم بمنأى عن المحاسبة، في وقت دعا فيه إلى ترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون أسوة بما تشهده بغداد.
من جانبه، رأى الباحث السياسي محمد الأمين في تصريح لوسائل إعلام عربية، أن التجربة العراقية أعادت فتح النقاش بشأن مستقبل مكافحة الفساد في ليبيا، واختصر ذلك بعبارته التي لاقت تفاعلاً واسعاً: “المرآة عراقية… والوجع ليبي”، في إشارة إلى تطلع شريحة من الليبيين لرؤية إجراءات مماثلة تستهدف الفساد وتعيد الاعتبار لمبدأ المحاسبة.
ويأتي هذا الاهتمام في وقت تواجه فيه عدة دول عربية تحديات كبيرة تتعلق بالفساد وسوء الإدارة، الأمر الذي جعل الحملة العراقية تحضر بوصفها تجربة تستحق المتابعة، خصوصاً مع استمرار الإجراءات القضائية والأمنية، وارتباطها بخطوات تهدف إلى استرداد الأموال العامة وعدم الاكتفاء بمحاسبة المتورطين.
بدوره قال الباحث السياسي علي ناصر إن “تجربة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في مكافحة الفساد بدأت تلهم عدداً من الدول العربية التي تتابع باهتمام ما يجري في العراق، بعدما أثبتت الإجراءات الأخيرة أن ملاحقة الفساد واسترداد الأموال العامة يمكن أن تتحول إلى مسار عملي متى ما توفرت الإرادة السياسية والتنسيق بين مؤسسات الدولة”.
وأضاف ناصر لـ”عراق أوبزيرفر” أن “صولة الفجر وما رافقها من اعتقالات واسترداد للأموال المنهوبة انتشرت بسرعة في وسائل الإعلام العربية، ودفعت شخصيات سياسية وأكاديمية في لبنان وليبيا إلى الحديث عن إمكانية الاستفادة من التجربة العراقية، وهو ما يعكس الأثر الذي بدأت تتركه هذه الحملة خارج حدود العراق”.
وأوضح أن “استمرار مكافحة الفساد من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين بالبيئة العراقية، ويحد من مظاهر الابتزاز والفساد الإداري، بما يهيئ ظروفاً أفضل لجذب الاستثمارات وتنويع الموارد الاقتصادية، فضلاً عن أن الدعم الشعبي والسياسي الذي تحظى به هذه الإجراءات، ومنه تأييد زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر ووصفه رئيس الوزراء بجندي الإصلاح، يمنح الحملة زخماً إضافياً للاستمرار وتحقيق نتائج أكبر”.
ويرى مراقبون أن انتقال النقاش حول التجربة العراقية إلى وسائل الإعلام والأوساط السياسية في أكثر من دولة عربية يعكس اتساع دائرة تأثيرها، وأن استمرارها بالوتيرة نفسها، مقروناً باسترداد الأموال العامة وإحالة المتورطين إلى القضاء، قد يجعلها واحدة من أبرز تجارب مكافحة الفساد التي استقطبت اهتماماً إقليمياً خلال المرحلة الحالية.





