العراقتحليلاتخاصرئيسيةسياسي

من صدارة الساحات إلى هامش السلطة.. لماذا تآكل الحراك المدني في العراق؟

بغداد | عراق أوبزيرفر
تعيش الحركة المدنية في العراق واحدة من أكثر لحظاتها هشاشة منذ انبثاقها بوصفها التعبير الأوضح عن مطلب التغيير في مرحلة ما بعد 2003، فبعد أن تصدّرت مشهد الاحتجاجات الشعبية، وتحوّلت إلى مظلة عابرة للهويات الطائفية والمناطقية، باتت اليوم طرفاً ضعيفاً في معادلة سياسية يهيمن عليها السلاح والمال والتحالفات التقليدية.
وشكلت تظاهرات تشرين 2019 نقطة تحول مفصلية في مسار القوى المدنية، بعد أن قاد الحراك آلاف الشباب في العاصمة ومحافظات الجنوب للمطالبة بإنهاء نظام المحاصصة ومحاسبة قتلة المتظاهرين، وإجراء إصلاحات شاملة تطال بنية النظام السياسي، وقد سقط خلال هذه الاحتجاجات المئات من الضحايا، في مواجهة مباشرة مع السلطة.
ومع كل الزخم الشعبي الذي حصدته، دخلت قوى تشرين انتخابات 2021 وسط طموحات بتحقيق تمثيل فعلي داخل البرلمان، لكن الواقع البرلماني لم يكن كما أُريد له، فرغم فوز عدد من المستقلين والمدنيين، سرعان ما بدأت بعض هذه الأسماء بالانخراط في شراكات وتحالفات داخل مجلس النواب، بدعوى “العمل من الداخل”، الأمر الذي أضعف من قدرتهم على التأثير التشريعي أو الرقابي، وفاقم من فجوة الثقة بينهم وبين الشارع الذي انتخبهم.

اندماج بلا شروط
وعلى مدار عامين من العمل النيابي، شهدت الساحة السياسية انضمام نواب مدنيين إلى تحالفات حكومية، وتعيين بعضهم في مناصب تنفيذية أو مستشارية، في حين غابت أي مبادرات تشريعية تحمل روح الحراك الاحتجاجي.
وزادت الانتقادات بعد تصويت عدد منهم لصالح قوانين مثيرة للجدل أو لتعديلات تمس جوهر الديمقراطية والتمثيل العادل، وفي مقدمتها تعديل قانون الانتخابات بطريقة تخدم الكتل الكبرى.
وبحسب مراقبين، فإن اندماج بعض النواب في تحالفات حكومية يُعد تراجعاً عن تعهداتهم السابقة بعدم التعاون مع قوى السلطة أو الأحزاب التي استهدفت المتظاهرين، وهو ما انعكس سلباً على صورة التيار المدني ككل، وأدى إلى تفتته وتشظي خطابه.
بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي علي ناصر، إن “ثورة تشرين التي ضحّى من أجلها الكثيرون استُغلّت من قبل بعض الأشخاص من أجل التمركز داخل السلطة”.
وأضاف في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” أن “الحراك الذي كان يمثل عمقاً اجتماعياً ووطنيًا عابرًا للطوائف والمناطق، تم تفريغه تدريجياً من مضمونه، عبر تحالفات انتهازية، واستخدام شعارات التغيير فقط كشكل، لا كمضمون”.
وأوضح أن “الدماء التي سالت في الساحات كانت تهدف لتصحيح المسار السياسي، لكن ما حدث هو تكرار نفس الأنماط القديمة بأدوات جديدة، وهو ما خلق شرخاً كبيراً بين الجمهور والنواب الذين يدّعون تمثيلهم”.
وتابع أن “المشكلة لا تتعلق فقط بمشاركة بعض الشخصيات المدنية في الحكومة، بل في غياب أي أثر حقيقي لهذه المشاركة، وعدم وجود مشروع بديل أو إصلاحي واضح”.

وتكشف خارطة البرلمان الحالي عن تقلّص حضور النواب المستقلين الذين برزوا بعد تشرين، بعد أن انقسموا على أنفسهم، وانخرط كثير منهم في الكتل التقليدية، خصوصًا في ظل قانون انتخابي (سانت ليغو 1.7) لا يمنح فرصاً كبيرة للترشح الفردي.

وفي ضوء هذه التطورات، باتت الحركة المدنية – وفق مراقبين – أمام اختبار وجودي، يتطلب منها إعادة تقييم خياراتها، وبناء خطاب واقعي لا يفقد المبادئ التي خرجت من أجلها الجماهير، ولا ينجر إلى تسويات لا تليق بدماء من سقطوا دفاعاً عن وطن بلا سلاح منفلت ولا فاسدين محميين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });