تحليلاتخاصرئيسية

140 مليون دولار لكهرباء لا تغطي سوى 2.5٪ من حاجة العراق.. تحليل لـ”عراق اوبزيرفر” يكشف أرقاماً صادمة عن عقد البواخر التركي

بغداد / عراق اوبزيرفر

يشهد ملف الطاقة الكهربائية في العراق تطوراً جديداً مع وصول أول باخرة تركية مخصصة لتوليد الكهرباء إلى ميناء أم قصر جنوبي البلاد، ضمن عقد أبرمته وزارة الكهرباء العراقية مع شركة “كار باور شيب” التركية عبر فرعها “بي كيه بي إس” (BKPS). وبموجب العقد، ستوفر الشركة نحو 590 ميغاواط من الكهرباء على مدى 71 يوماً، في محاولة للتخفيف من أزمة الطاقة المزمنة التي تعانيها البلاد.

هذا التطور أثار تبايناً واضحاً في المواقف بين مؤسسات الدولة من جهة، التي رحبت بالخطوة ووصفتها بالإنجاز، وبين خبراء في مجال الطاقة من جهة أخرى، اعتبروا أن الحلول الطارئة عبر البواخر لن تعالج جذور الأزمة، بل ستضيف أعباء مالية باهظة على خزينة الدولة دون أن تحدث فارقاً ملموساً في واقع الكهرباء.

*العقد الجديد وظروفه
وتعتزم شركة “كار باور شيب” (Karpowership) التركية إمداد العراق بـ590 ميغاواط من الكهرباء، وفق عقد أولي مدته 71 يوماً أبرمته مع البلاد، مما يسهم في حلحلة أزمة الطاقة الحادة التي تواجهها بغداد، بحسب بيان صحفي صادر عن الشركة الأربعاء الماضي.

ووقعت شركة “بي كيه بي إس” (BKPS) التابعة لـ”كار باور شيب”، التي تدير أسطولاً من السفن العائمة التي تضم محطات لتوليد الكهرباء، العقد مع وزارة الكهرباء العراقية والشركة العامة لإنتاج الطاقة الكهربائية/المنطقة الجنوبية، لكنها لم تفصح عن قيمة العقد.

من جانبها، أعلنت الشركة العامة لموانئ العراق نجاحها في تأمين رسو أول باخرة تركية على الرصيف رقم (9) في ميناء أم قصر الجنوبي، بطاقة تصل إلى 315 ميغاواط، وذلك بالتنسيق مع وزارة الكهرباء. وأكد مدير عام الموانئ، فرحان الفرطوسي، أن هذا الحدث يعكس “تكامل الأدوار الوطنية في سبيل توفير حلول عاجلة لمعالجة أزمة الطاقة الكهربائية”.

أما وزير الكهرباء زياد علي فاضل، فكشف في مؤتمر صحفي عن تفاصيل إضافية، مبيناً أن الباخرة الأولى التي وصلت بطاقة 125 ميغاواط ستدخل الخدمة خلال أسبوع بعد إكمال عمليات الربط وإيصال الوقود اللازم للتشغيل. وأضاف أن الحكومة تعاقدت على عدة بواخر ستؤمن ما مجموعه 600 ميغاواط من الكهرباء، مشيراً إلى أن هذه الوحدات ستعمل على الوقود المحلي، مما يقلل من الحاجة إلى الاستيراد.

*حل مكلف وغير عملي
في المقابل، شكك الخبير في شؤون الطاقة دريد عبد الله بجدوى هذه الخطوة، وذهب أبعد من ذلك حين وصفها بأنها “غير منطقية وغير مقنعة”.

وفي تصريح لـ”عراق أوبزيرفر”، أوضح عبد الله أن فكرة استئجار سفن طاقة ليست جديدة، فقد طُرحت قبل ست سنوات بعقد طويل الأمد كان سيكلف العراق نحو 670 مليون دولار سنوياً، لكنه رُفض حينها بسبب ارتفاع تكاليفه.

وأشار عبد الله إلى أن العقد الحالي قصير الأجل (شهرين ونصف فقط)، لكنه سيكلف العراق نحو 140 مليون دولار، عدا عن تكاليف الوقود، وهو مبلغ كبير قياساً بما ستولده تلك البواخر. وأوضح أن إنتاج السفينتين معاً لن يغطي سوى 16% من حاجة محافظة البصرة، و2.5% فقط من حاجة العراق، ما يجعل الأثر الفعلي على الشبكة ضعيفاً جداً.

وأكد الخبير أن مشكلة الكهرباء في العراق ليست في جانب الإنتاج بقدر ما هي في قطاعات النقل والتوزيع، حيث تصل نسبة الكهرباء المنتجة فعلياً إلى المستهلك 40% فقط بسبب الهدر والفاقد الفني.

وتابع بالقول: “هذه البواخر عادة يتم استئجارها في أوقات الكوارث الطبيعية أو الحروب أو توقف المحطات لفترات طويلة، وهو ما لا ينطبق على وضع البصرة أو العراق حالياً، لذلك فإن الهدف من وجودها غير منطقي، بل سيشكل عبئاً إضافياً على وزارة الكهرباء والحكومة”.

الحكومة تدافع: حاجة ملحة وحلول عاجلة
رغم هذه الانتقادات، تدافع الحكومة عن خيارها باعتباره جزءاً من حزمة حلول عاجلة لتدارك أزمة الكهرباء خلال ذروة الصيف. فالعراق يعاني منذ سنوات من عجز مزمن في تلبية الطلب على الطاقة، إذ يبلغ حجم الطلب أكثر من 30 ألف ميغاواط، فيما لا يتجاوز الإنتاج الفعلي 22 ألف ميغاواط في أفضل الأحوال.

ويرى وزير الكهرباء أن استقدام البواخر سيمنح العراق فترة زمنية قصيرة للتنفس، ريثما تنجز مشاريع أوسع وأكثر استدامة، خصوصاً أن هذه الوحدات ستعمل على الوقود المحلي وتوفر إنتاجاً سريعاً يمكن ربطه بالشبكة الوطنية في غضون أيام، بعكس المشاريع التقليدية التي تحتاج إلى سنوات لإنجازها.

*جدل بين الكلفة والجدوى
هذا الجدل بين الحكومة والخبراء يعكس عمق المعضلة التي يواجهها قطاع الكهرباء العراقي. فمن جانب، هناك ضغوط شعبية هائلة لتوفير الطاقة بشكل عاجل، تدفع الحكومة إلى البحث عن أي حلول سريعة ولو كانت مكلفة. ومن جانب آخر، يحذر المختصون من أن مثل هذه العقود لا تمثل سوى “مسكنات” قصيرة الأمد تستنزف الموازنة دون أن تضع حداً للأزمة المتكررة.

الخبير دريد عبد الله شدد على أن الحل يكمن في إصلاح البنية التحتية لقطاع النقل والتوزيع ومعالجة الهدر والفاقد، وليس عبر إضافة وحدات إنتاج جديدة فقط. وأضاف أن تجربة العراق خلال العقدين الماضيين أثبتت أن زيادة الإنتاج لم تنعكس على استقرار التجهيز للمواطنين، بسبب الأعطال وسوء الإدارة والتجاوزات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });