
الكاتب علي الشريفي
الحروب في عصرنا لم تعد تُدار بالصواريخ والطائرات وحدها، بل بالمعلومة الدقيقة التي تحدد الهدف قبل الضربة. واليوم تحولت تطبيقات الخرائط والملاحة، الموجودة في كل هاتف ذكي، إلى “حصان طروادة” يخفي سلاحًا صامتًا تمسك بخيوطه خوادم ومنظومات القوى الكبرى، وقد يُستخدم لاختراق الدول من الداخل تقنيًا واستخباريًا.
في العراق، يستخدم المواطنون مئات التطبيقات يوميًا، لكن الأخطر بينها تبقى تطبيقات الملاحة. فهي تترك خلفها أثرًا رقميًا قد يبدو بسيطًا: موقع منزل، خط سير يومي، مخزن أو مستودع، مقر مؤسسة، أو حتى ملاحظة شخصية صغيرة لكنها حساسة أمنيا، غير أن ملايين هذه النقاط الصغيرة، حين تتجمع، تتحول إلى بنك معلومات استراتيجي بالغ الخطورة يكشف البنية التحتية، المراكز الأمنية، شبكات الطرق والجسور، والأهداف الحيوية، مانحًا أعداء العراق صورة أوضح مما تمتلكه مؤسساته الرسمية التي ما زالت تعاني ضعفًا في القدرات الرقمية.
صحيح إن الأقمار الصناعية تمنح صورة من الفضاء، لكن التطبيقات تكمل تفاصيل الصورة من حيث: المواقع، والتحركات، المنشآت، وحتى أنماط الحياة.
والأخطر أن هذه التطبيقات لا تكتفي بالمعلومة الثابتة، بل توفر تتبعًا لحظيًا للحركة، يسمح برصد تنقلات دقيقة وصولًا إلى مواقع قيادات ومسؤولين وأهداف حساسة، وهنا ينهار الحاجز بين الخريطة المدنية والعسكرية؛ فالتطبيق الذي يرشد المواطن إلى مطعم “كباب” قد يرشد خصمًا إلى طريق استهداف منشأة حيوية أو مقر أمني.
التجارب القريبة ـ من الاختراقات الأمنية في جنوب لبنان إلى حرب الأيام الـ12 بين “إسرائيل” وإيران ـ تكشف أن العراق ليس في منأى عن هذا التهديد، بل قد يكون أكثر انكشافًا في أي مواجهة مقبلة. ولهذا فإن الاستعداد يبدأ بفرض سيادة رقمية تحمي بيانات الناس من دون أن تقيد حرياتهم، وتمنع استغلالها ضدهم وضد بلدهم.
البيانات المكانية يجب أن تبقى داخل العراق بخوادم وطنية، كما هو الحال في دول مثل تركيا وإيران والأردن والسعودية وقطر التي تُعامل الخرائط باعتبارها جزءًا أصيلًا من أمنها القومي. فالمواقع ليست مجرد نقاط على خريطة، بل مفاتيح وطن.
وما بين مطعم وحرب، يظل مالك البيانات هو من يحدد الطريق.



