
البصرة / عراق اوبزيرفر
تشهد محافظة البصرة منذ أيام جدلاً واسعاً بعد قرار قائممقام قضاء الدير إغلاق قناة “السويب” المائية، في خطوة وُصفت بأنها ضرورية لتنظيم توزيع المياه، لكنها سرعان ما تحولت إلى محور أزمة اجتماعية وخلافات حادة بين الأهالي والمسؤولين المحليين، وسط تحذيرات من تفاقم التوتر إلى حد تهديد السلم الأهلي.
عضو مجلس محافظة البصرة، زهراء السلمي، وفي حديث خاص لـ”عراق أوبزيرفر”، أكدت أن “إغلاق القناة استمر قرابة خمسة أيام فقط”، لكنه أثار لغطاً كبيراً وحرم الأهالي من مورد مائي حيوي، مشيرة إلى أن “الموضوع أُحاط بجدلين متضادين؛ فمن جهة رأت بعض الأطراف أن الخطوة جاءت لحماية حصص المياه لمناطق أخرى تعاني من العطش، بينما اعتبرها آخرون قراراً غير مدروس كاد يشعل فتنة بين الأهالي”.
وأضافت السلمي أن “موضوع اللسان الملحي لم يعد أزمة محلية تخص البصرة وحدها، بل أصبح مشكلة دولية نتيجة نقص المياه وتراجع مناسيب الأنهار القادمة من دول الجوار”، مؤكدة أن “إعادة افتتاح القناة جاء لدرء الفتن، خصوصاً بعد أن تبيّن أن إغلاقها لم يسهم فعلياً في تقليل نسبة الملوحة بمياه شط العرب”.
غضب شعبي
قرار إغلاق قناة السويب فجّر موجة غضب واسعة بين المواطنين في شمال وجنوب البصرة. فقد اعتبر مواطناً من أهالي قضاء الدير، أن “ردم القناة يهدد السلم الأهلي”، داعياً المحافظ أسعد العيداني إلى التدخل المباشر واتخاذ إجراءات قانونية بحق القائممقام.
أما مواطن آخر من قضاء الفاو، اكد أن “منع الأهالي من مياه الشرب سيولّد فتنة كبرى وقد يؤدي إلى اقتتال عشائري”.
وفي ذات الشأن أكد محافظ البصرة، أسعد العيداني، السبت (6 أيلول 2025)، أن أزمة المياه في المحافظة تُستغل من بعض الأطراف لأغراض فئوية أو حزبية أو انتخابية، مؤكدًا أن الحكومة المحلية تركز على مصلحة المواطنين فقط.
وأشار العيداني في تصريح صحفي، إلى “الإجراءات التي تم تنفيذها لمواجهة الأزمة، منها تشغيل محطة تحلية الهارثة، واستكمال البنى التحتية لشبكات المياه، وإنشاء محطات تحلية في محيلة وأم قصر، إضافة إلى مشاريع قيد التنفيذ لتحلية مياه البحر ومحطة الهدامة لتغطية شط العرب”.
وأضاف أن “اللسان الملحي وصل مؤخرًا إلى مناطق جديدة مثل قضاء الدير، مؤكداً العمل على فتح قنوات مياه عذبة لتغذية القضاء والمناطق المحيطة، بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية”.
ولفت إلى أن “نقص المياه وإنشاء السدود بطرق مخالفة للاتفاقات الدولية من الدول المجاورة، أبرز أسباب التلوث الملحي، وأن جهود وزارة الموارد المائية مستمرة لحل الأزمة دبلوماسيًا”.
السويب.. تاريخ وجغرافيا
قناة السويب ليست مجرى مائياً عادياً؛ بل هي رافد استراتيجي يتغذى من فوائض هور الحويزة في محافظة ميسان شمالي البصرة. تاريخياً، كان يصب في شط العرب قرب ملتقى دجلة والفرات في مدينة القرنة، على بعد نحو 70 كم شمال مركز البصرة. ومن هذه النقطة يبدأ الامتداد العمودي لمدن المحافظة باتجاه البحر في الفاو.
قبل التقاء السويب بشط العرب، توجد سدة صغيرة كانت تستخدم في الماضي للتحكم بالمناسيب، بحيث تحافظ على مستويات جيدة من المياه داخل هور الحويزة في فترات ارتفاع منسوب شط العرب. هذه الأهمية التاريخية والجغرافية جعلت من السويب عنصراً أساسياً في معادلة المياه، سواء لاحتياجات الزراعة أو الشرب.
أزمة مزمنة
تُعاني البصرة منذ سنوات من أزمة مائية خانقة، تتمثل بارتفاع نسب الملوحة في شط العرب إلى مستويات تجعل المياه غير صالحة للاستهلاك البشري. هذه الظاهرة تتكرر بشكل موسمي مع انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات، وزيادة اللسان الملحي المتقدم من مياه الخليج العربي نحو الشمال.
يضاف إلى ذلك التلوث الخطير الناجم عن تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية في الأنهر، وهو ما جعل المياه غير صالحة حتى للاستعمالات المنزلية في بعض مناطق المحافظة. ووفقاً لمصادر محلية، فإن عشرات آلاف المواطنين أصيبوا خلال الأعوام الأخيرة بأمراض معوية وجلدية بسبب تلوث المياه.




