
بغداد / عراق اوبزيرفر
في وادٍ ضيق بين جبال نينوى، وعلى مقربة من قضاء الشيخان، ينهض معبد لالش كجوهرة روحية متلألئة، تحتضنها الطبيعة كما لو كانت سراً قديماً من أسرار الأرض. هناك، وفي كل خريف من شهر تشرين الأول، يتوافد آلاف الإيزيديين من أنحاء العراق والعالم، حاملين معهم أمنياتهم وقلوبهم نحو عيد الجماعية أو عيد جما، أقدس أعياد ديانتهم وأوسعها طقوسا، وأشدها ارتباطاً بالذاكرة والهوية.
في السادس من تشرين الأول من كل عام، تبدأ أولى أيام العيد الذي يمتد اسبوعاً كاملاً، فيتحول وادي لالش إلى مركز حج روحي يذكر بمواسم العبادات الكبرى في الديانات القديمة. فبحسب المعتقد الإيزيدي، يرمز هذا العيد إلى نزول “الملك طاووس” إلى الأرض، وهو الملاك الأكبر في منظومتهم الدينية، حامِل النور والرحمة، ومبعوث الخالق إلى الخلق. ومن هنا اشتق العيد معناه الروحي العميق: الطهر، والغفران، والاتحاد مع النور الإلهي.
تبدأ الطقوس منذ ساعات الصباح الأولى، حيث تستقبل بوابات لالش أفواج الزائرين الذين يفترشون الطرقات ويعلّقون الأعلام البيضاء والزرقاء. عند المدخل، يخلع الجميع أحذيتهم احتراما لقدسية المكان، ثم يتوجهون نحو “عين البيضاء” — النبع المقدس الذي يُقام عنده طقس التعميد. هناك، يغتسل المؤمنون بماء العين طلبا للتجدد والطهارة، فيما تربط النساء أقمشة ملونة على الصخور القديمة دلالة على النذر والدعاء والرجاء.
وفي اليوم التالي، تقام طقوس الذبح والتضحية، حيث يقدم “ثور العيد” قرباناً باسم الجماعة الإيزيدية جمعاء. يشارك الشيوخ والشباب في هذا الطقس الذي يعكس روح التكافل والوحدة، وتوزع لحوم الأضحية على الحاضرين في مشهد من الألفة والمشاركة. فالمعنى الأعمق لعيد “جما” ليس الفردية في العبادة، بل “الجماعية” في الطاعة والعيش والفرح، وهو ما يجعل الطائفة تشعر بأنها جسد واحد ينبض بإيمان واحد.
مع حلول المساء، تتردد في أرجاء المعبد أصوات القوالين، وهم منشدو الأدعية الإيزيدية. يعزفون على الدفوف والنايات مقامات روحية ضاربة في القدم، بينما تصطف حلقات المؤمنين في رقصة “الكوفند”، وهي رقصة دائرية تعبّر عن وحدة الخلق وتكامل الكون. يتحرك الرجال والنساء والأطفال بخطى متناغمة، تتمايل مع أنغام السماء، وكأنهم يعيدون تمثيل دورة الحياة من النور إلى النور.
في اليوم الرابع، يتجه الحجاج إلى ضريح الشيخ عدي بن مسافر الهكاري، المصلح والمتصوف الكبير الذي يعد المؤسس الروحي للديانة الإيزيدية في القرن الثاني عشر. يطوف الزوار حول الضريح ثلاث مرات، مرددين الأدعية، وممسكين بشموع تضيء وجوههم. وعند المساء، تشعل المشاعل على قمم قباب المعبد، فتتلألأ لالش كنجمة سماوية تعلن ولادة نور جديد في قلب الظلام.
ولا يقتصر عيد الجماعية على الشعائر الدينية وحدها، بل يتجاوزها إلى كونه حدثا اجتماعيا وإنسانيا جامعا. فهو مناسبة سنوية للقاء ولم الشمل بعد شهور من التفرق. في ساحة المعبد، تجتمع العائلات من سنجار وشيخان والموصل وزاخو، وحتى من المهجر في ألمانيا والسويد. النساء يجهزن المأكولات التراثية كـ”البرغل باللحم” و”الكليجة الإيزيدية”، فيما يتبادل الرجال القصص والأخبار، وتتعالى ضحكات الأطفال الذين يركضون بين الجموع بثيابهم الملوّنة. إنها أيام تعيد إلى الطائفة روحها التي حاولت الحروب والإبادات أن تُطفئها.
ويقول رجال الدين الإيزيديون إنّ هذا العيد يمثل رسالة سلام ووفاء للخالق وللإنسان في آن واحد، ورسالة ثبات في وجه النسيان. فبعد المآسي التي عاشها الإيزيديون في سنجار على يد تنظيم داعش، أصبحت أيام “جما” فرصة لتضميد الجراح، وتجديد الأمل، ورفع الدعاء لعودة النساء والأطفال المفقودين، وإشاعة ثقافة التسامح والمحبة بين البشر.
تاريخيًا، يرى الباحثون أنّ جذور هذا العيد تعود إلى العصور السومرية والبابلية، حين كانت تُقام طقوس الخصب والنور في ذات الموسم من السنة، وأن الإيزيدية احتفظت بتلك الرموز وطوّرتها ضمن منظومتها الدينية الخاصة. ولذا فإن “جَما” ليس مجرد احتفال ديني، بل هو مرآة حضارية تعكس استمرار الموروث المشرقي القديم في روحٍ معاصرة، تجمع بين القداسة والتراث، بين الإيمان والهوية.
وعلى الرغم من موقع المعبد النائي بين الجبال، إلا أنّ الاستعدادات التي تسبق العيد في نينوى تُظهر مدى التنظيم والإصرار على حفظ هذا التقليد. تُفتح الطرق المؤدية إلى الشيخان، وتنتشر فرق الطوارئ والإسعاف والمتطوعين لخدمة الزائرين. وتشارك المنظمات المدنية في تنظيم الفعاليات الثقافية والغنائية التي ترافق أيام العيد، لتغدو لالش ساحةً تجمع بين الدعاء والتراث والفرح الشعبي.
في ختام الأيام السبعة، ومع غروب الشمس الأخيرة، يودّع الإيزيديون معبدهم وهم يردّدون: “سلام على لالش، وسلام على من جاءها زائرًا”.



