العراقتحليلاتخاصرئيسية

عقول تتنفس وجعاً في صمت.. العراق يواجه أشباح الإهمال النفسي في اليوم العالمي للصحة النفسية

بغداد/ عراق اوبزيرفر
في العاشر من تشرين الأول من كل عام، تتوقف عقارب العالم عند لحظة مخصصة لتذكير البشرية بأن “الصحة النفسية” ليست ترفا، بل هي الركن الأهم في بقاء الإنسان متوازنا وسط هذا الطوفان من الفوضى والضغوط. لكن في العراق، تمر هذه المناسبة كما تمر آلاف الأيام الأخرى، مثقلة بالضجيج، ولا أحد يسأل كيف حال النفس بين كل هذا الخراب.
بين جدران المستشفيات التي تضيق بالمرضى، وممرات المدارس التي تخلو من الإرشاد النفسي، وفي البيوت التي تصمت فيها الهموم خوفا من الوصمة، تتناثر قصص العراقيين كصفحات ممزقة من كتاب واحد: كتاب الألم المكبوت.
من الحروب الى البطالة
عشرات الأعوام من الحروب والحصار والدمار والبطالة والفقدان تركت آثارا عميقة في الذاكرة الجمعية، حتى أصبح “الاعتياد على الألم” جزءا من الشخصية العراقية، كما تصفه الباحثة النفسية حوراء فاضل.
تقول فاضل في حديثها لـ”عراق أوبزيرفر”: “اليوم العالمي للصحة النفسية يمر على العراقيين هذا العام وسط فجوة كبيرة بين الواقع النفسي المتدهور وبين حجم الاهتمام الرسمي به”، مشيرة إلى أن “الملفات الصحية في البلاد ما تزال تركز على الجانب الجسدي فقط، وكأن الإنسان العراقي لا يملك روحا تتعب أو عقلا ينهك”.
وتضيف أن “الإهمال النفسي في العراق ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكم أزمات متتالية تركت أثرها العميق في المجتمع؛ من الأطفال الذين نشأوا في بيئات مضطربة، إلى الشباب الذين يعيشون تحت ضغط البطالة والفقر، وصولا إلى النساء اللواتي يتحملن عبء العنف الأسري والانكسارات اليومية”.
هذا الإهمال لا يتجسد فقط في غياب المراكز المتخصصة أو ندرة الكوادر، بل في ثقافة مجتمعية تنظر إلى العلاج النفسي كوصمة، لا كعلاج. فالمواطن العراقي ما زال يخشى الاعتراف بضعفه النفسي، وما زال يهرب إلى الصمت بدل المواجهة، بينما ينهش القلق والاكتئاب روح البلاد بصمت مميت.
فجوة مؤلمة
من جانب آخر، يرى رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية الدكتور ماجد شنكالي أن الصحة النفسية “جزء لا يتجزأ من الصحة العامة”، مشددًا على ضرورة أن تولي المؤسسات الصحية والتربوية والإعلامية اهتمامًا أكبر بهذا الجانب.
ويؤكد شنكالي أن “الاهتمام بالصحة النفسية يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي والاستقرار المجتمعي”، لافتًا إلى أن لجنته تتابع تنفيذ البرامج الوطنية الخاصة بالصحة النفسية، وتنسق مع وزارة الصحة والمنظمات الدولية لتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين.
لكن ما بين التصريحات والواقع، تقف فجوة مؤلمة فالمراكز قليلة، والأطباء النفسيون معدودون، ومشاريع الدعم لا تتجاوز الورق، فيما تغرق العيادات الخاصة بالمرضى الذين لا يجدون بديلًا عن دفع ثمن الراحة النفسية من قوت يومهم.
خراب وازمة
الخراب النفسي في العراق – كما تصفه الباحثة الاجتماعية نضال الباوي – “لم يعد قضية صحية فحسب، بل تحول إلى أزمة اجتماعية تضرب جذور المجتمع”.
تقول الباوي لـ”عراق أوبزيرفر”: “الاضطرابات السلوكية، والعنف الأسري، وارتفاع نسب الطلاق والانتحار، وتراجع قيم التسامح، كلها مظاهر مباشرة لإهمال الصحة النفسية لعقود طويلة”.
وتضيف أن “المجتمع العراقي يعيش اليوم حالة من التوتر الجماعي المكبوت، وهذه البيئة الضاغطة أنتجت أجيالًا قلقة لا تعرف كيف تعبّر عن ذاتها أو تتعامل مع مشاعرها”.
تحذر الباوي من أن “إهمال النفس لا يمر بلا ثمن”، مشيرة إلى أن “المجتمع الذي لا يعتني بصحته النفسية يُصاب بالانهاك الجماعي وتنهار فيه منظومة الثقة والعلاقات”.
وتختم حديثها بالقول: “لا يمكن بناء مجتمع متماسك بعقول مرهقة ونفوس مجروحة، وعلى الدولة أن تتعامل مع الصحة النفسية كأولوية وطنية، لأن الاستقرار يبدأ من داخل الإنسان لا من جدران الوزارات”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });