
بغداد / عراق اوبزيرفر
رغم التصريحات الرسمية التي تتحدث عن “تبسيط الإجراءات” و”التحول الإلكتروني” في هيئة التقاعد الوطنية، لا تزال مشاهد الزحام والانتظار الطويل عند بواباتها تختصر مأساة آلاف المتقاعدين في العراق. رجال ونساء أفنوا أعمارهم في الخدمة العامة، يقضون ساعاتهم في ممرات مكتظة وأروقة ضيقة بملفات قديمة وأوراق صفراء، بعضهم لا يحمل سوى أمل صغير بالحصول على استحقاقه دون أن يطلب منه “رشوة”.
ما يجري داخل الهيئة، بحسب شهادات مراجعين، لا يشبه كثيراً الصورة الوردية التي تروّج لها البيانات الرسمية. فالفساد لم يختف، بل غير شكله، وانتقل من الرشاوى اليدوية إلى المعاملات الرقمية التي تدار خلف شاشات الحواسيب والهواتف الذكية.
الابتزاز الإلكتروني يطرق أبواب المتقاعدين
تكررت في الأشهر الأخيرة شكاوى عديدة من متقاعدين حول تأخر معاملات صرف فروقاتهم أو إحالتهم على التقاعد، فيما كشف بعضهم عن وجود وسطاء ومحامين يطلبون مبالغ مالية مقابل تسريع المعاملة عبر النظام الإلكتروني الجديد.
يقول سامي صلاح، وهو متقاعد لـ”عراق اوبزيرفر”: “اليوم الموظف ما يكلك ادفع علناً، بس يماطل بالمعاملة إلى أن تفهم الرسالة. إذا دفعت تمشي بنفس اليوم، وإذا ما دفعت، تبقى معلقة”.
أما سعاد صالح، وهي متقاعدة في الستين من عمرها، فتؤكد لـ”عراق اوبزيرفر”، أن “كل شيء بثمن… المعاملة ما تتحرك إلا إذا دفعت أو عندك واسطة”.
شهادات مثل هذه تكشف أن ظاهرة الفساد لم تنتهِ رغم الأنظمة الإلكترونية، بل تطورت أدواتها لتناسب العصر الرقمي، حتى صارت تطبيقات مثل واتساب وسيلة جديدة للتنسيق بين الموظفين والوسطاء.
هيئة النزاهة تكشف شبكة فساد رقمية
من جانبها، أعلنت هيئة النزاهة مؤخرا عن تفكيك شبكة في محافظة كركوك تعمل داخل نظام صرف الفروقات التقاعدية، تمكنت من الاستيلاء على مبالغ ضخمة عبر تحويلات وهمية لحسابات خاصة. التحقيقات أظهرت أن الشبكة تتألف من موظفين ومحامين ووسطاء يستخدمون ثغرات النظام الإلكتروني لتمرير المعاملات، ثم سحب الأموال وتقاسمها.
وبحسب الهيئة، فإن “التحقيقات ما زالت مستمرة وتشمل فروعاً أخرى في بغداد والبصرة والموصل، حيث يُشتبه بوجود شبكات مماثلة تعمل بالأسلوب ذاته”.
هيئة التقاعد: المعاملة لا تستغرق أكثر من ساعة
في مواجهة هذه الاتهامات، دافعت هيئة التقاعد الوطنية عن نفسها مؤكدة أن نظامها الجديد أنهى كثيراً من حلقات الفساد الإداري والروتين.
رئيس الهيئة ماهر البياتي قال في تصريح تابعته عراق اوبزيرفر: “وضعنا خطة لتبسيط الإجراءات تتكون من عدة محاور، وبفضلها أصبح وقت إنجاز المعاملة لا يتجاوز الساعة الواحدة”.
ويضيف “الموظف قبل أن يُحال إلى التقاعد، تقوم دائرته بتهيئة جميع المستندات بالتنسيق معنا، وبيوم الانفكاك تصلنا المعاملة مكتملة”.
أما وكيل رئيس الهيئة حسام عبد الستار فأكد أن الهيئة تعمل بالتعاون مع هيئة النزاهة وجهاز الأمن الوطني لملاحقة من يبتزّ المتقاعدين أو يتلاعب بالمعاملات.
وقال في حديث متلفز تابعته عراق اوبزيرفر: “ضبطنا بالفعل أشخاصاً متورطين في ابتزاز المتقاعدين، وأحلناهم إلى القضاء. لن نتساهل مع أي موظف أو وسيط يثبت تورطه”.
لكن ورغم هذه التصريحات، ما زال المواطنون يشككون في مدى فاعلية هذه الإجراءات، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في النظام بل في الأشخاص الذين يديرونه.
الفساد محمي سياسياً
بدوره، اعتبر باقر جبر الزبيدي، زعيم تحالف مستقبل العراق، أن الفساد داخل هيئة التقاعد “يتجاوز حدود الموظفين الصغار” ويصل إلى مستويات عليا محمية من قوى سياسية.
وقال الزبيدي: “الفساد داخل الهيئة يشبه إلى حد كبير سرقة القرن. هناك شبكات منظمة تعمل تحت مظلة سياسية، تسعى إلى طمس الأدلة أو تمرير قوانين العفو لتبرئة المتورطين”.
وأضاف: “الناس اللي أفنوا عمرهم في خدمة الدولة ما يستحقون الابتزاز. لازم تدقيق ثروات بعض الموظفين وإبعاد رؤوس الفساد من داخل الهيئة فوراً”.



