العراقتحليلاتخاصرئيسية

الوجود التركي يتمدد بثلاثية الأمن والسياسة والاقتصاد: أنقرة ترسم خارطة نفوذ عابر للحدود في العراق وسوريا ولبنان

بغداد / عراق اوبزيرفر
في خطوة تعيد رسم مشهد النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط، قدّمت الرئاسة التركية مذكرة رسمية إلى البرلمان لتمديد مهام قواتها المسلحة في العراق وسوريا ولبنان لثلاث سنوات إضافية، في إجراء أثار جدلًا واسعًا داخل تركيا وخارجها.

ورغم أن هذا التمديد يُعد إجراءً سنويًا معتادًا منذ عام 2014، إلا أن المراقبين يؤكدون أن مضمونه هذه المرة يتجاوز البعد الأمني التقليدي ليحمل أبعادا سياسية واستراتيجية جديدة ترتبط بموقع تركيا في معادلة ما بعد الحرب على تنظيم داعش وتحوّلات المنطقة المتسارعة.

تعبير عن مرحلة جديدة
الخبير الأمني والعسكري ماجد القيسي أوضح في حديث لـ”عراق أوبزيرفر” أن المذكرة التركية لم تعد مجرد تجديد روتيني، بل أصبحت تعبيرًا عن مرحلة جديدة من السياسة التركية تقوم على تثبيت الحضور العسكري في مناطق تعتبرها أنقرة “خط الدفاع الأول عن أمنها القومي”.

وقال القيسي إن المذكرة تكتسب اليوم أهمية مختلفة “نتيجة جملة من التحولات الإقليمية”، على رأسها تراجع الوجود الأمريكي في العراق وسوريا، وهو ما ترك فراغًا أمنيًا استغلته تركيا لتوسيع نطاق عملياتها عبر الحدود تحت شعار “محاربة الإرهاب”، مشيرًا إلى أن هذا التراجع “فتح المجال أمام أنقرة لتقديم نفسها كقوة بديلة قادرة على حفظ التوازن الميداني والسياسي في مناطق الشمال العراقي والشمالي السوري”.

ويضيف أن البعد الداخلي للمذكرة لا يقل أهمية عن بعدها الإقليمي، إذ تأتي في وقت تستعد فيه تركيا لانتخابات مصيرية، ما يجعل الملف الأمني ورقة تعبئة قومية فعالة يستخدمها الرئيس رجب طيب أردوغان لكسب تأييد الشارع المحافظ والقومي.

ويرى أن الحديث عن “محاربة حزب العمال الكردستاني” لا ينفصل عن هذا السياق، حتى مع نزع سلاح الحزب تبقى هذه الذريعة قائمة.

أما على الصعيد السوري، فيؤكد القيسي أن التغيرات في دمشق بعد سقوط بشار الأسد تجعل الملف السوري بالنسبة لأنقرة منطقة حرجة للأمن القومي التركي، إذ تسعى تركيا لتثبيت نفوذها في مناطق الشمال من خلال وجود عسكري مباشر “يمنحها قدرة على التأثير في مستقبل الحل السياسي السوري”.

ويضيف أن إدراج لبنان ضمن المذكرة الجديدة – رغم محدودية الوجود التركي هناك – يحمل رسائل رمزية وسياسية تهدف إلى إظهار تركيا كقوة إقليمية متدخلة في مسارات الأمن الإقليمي الممتدة من المتوسط إلى شمال العراق.

تفاصيل المذكرة
وتشير المذكرة التي حملت توقيع الرئيس أردوغان إلى أن تمديد مهام القوات التركية يبدأ من 30 تشرين الأول الجاري، وهو التاريخ الذي تنتهي فيه الصلاحية السابقة، ويشمل تفويض القوات بشن عمليات خارج الحدود عند الضرورة.

كما تطلب المذكرة تمديد مشاركة تركيا في قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” حتى نهاية الشهر الحالي، في خطوة يرى محللون أنها تهدف إلى الحفاظ على حضور رمزي ضمن القوة الدولية في الجنوب اللبناني، وربط الوجود العسكري التركي في المشرق العربي بسياق أممي مشروع.

معارضة داخلية
من جانب آخر، برزت معارضة قوية داخل البرلمان التركي، حيث انتقد حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” المذكرات الرئاسية، معتبرًا إياها “تدخلاً في شؤون دول أخرى”، وقالت نائبة رئيس الكتلة البرلمانية للحزب كيليتش كوتشييت إن تمديد المهام لا يعني فقط استمرار الوجود العسكري، بل أيضًا “إرسال مزيد من الجنود”، مضيفة أن “الذرائع الأمنية لا يمكن أن تبرر انتهاك سيادة الدول المجاورة”.

البعد الاقتصادي حاضر
وفي البعد الاقتصادي، يشير القيسي إلى أن أنقرة تربط بين أمنها العسكري ومشاريعها الاقتصادية الكبرى، لاسيما مشروع “طريق التنمية” الذي يُفترض أن يربط ميناء البصرة بالحدود التركية مرورًا بالأراضي العراقية، موضحًا أن تركيا تسعى لتأمين بيئة مستقرة على طول الممر التجاري الجديد، ما يبرر – من وجهة نظرها – استمرار وجودها العسكري في مناطق العبور بين العراق وتركيا.

ويكمل أن هذا الوجود “لم يعد فقط دفاعًا عن الأمن القومي، بل حمايةً للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية المشتركة”.

ويختم القيسي حديثه بالتأكيد على أن المذكرة الأخيرة “تكرس نهجًا تركيًا جديدًا يقوم على دمج الأمن بالاقتصاد، والسياسة بالجيش”، معتبراً أن أنقرة “تحاول عبر هذا التمديد إرسال رسالة إلى جميع الأطراف بأن حدودها الجنوبية ليست فقط خطوطًا جغرافية، بل عمق استراتيجي مفتوح ترى أنه يحق لها الدفاع عنه بكل الوسائل”.

ويرى أن التحدي المقبل أمام العراق وسوريا ولبنان سيكون كيفية التعامل مع هذا الحضور التركي المتجدد، الذي يبدو أنه لن يكون مؤقتًا هذه المرة، بل استراتيجية طويلة المدى تعيد خلط الأوراق في المشرق العربي بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });