
بغداد / عراق اوبزيرفر
تتحول شوارع بغداد منذ أيام إلى متاهة رقمية خانقة. الخرائط التي كان المواطنون يثقون بها، والتطبيقات التي تقودهم بثقة نحو وجهاتهم، فقدت قدرتها فجأة على التوجيه. لم تعد البوصلة تعمل كما اعتادت، فيما تتعثر الإشعارات وتختفي نقاط الوصول، لتبدأ حكاية جديدة من المعاناة اليومية لسكان العاصمة الذين وجد بعضهم نفسه، حرفياً، داخل نهر دجلة وفقاً لتطبيقات الملاحة التي تاهت مع أول ارتباك في بث الإشارات.
تتصاعد الشكاوى يوماً بعد آخر من مستخدمي تطبيقات النقل الذكي وتوصيل الطلبات والدلفري، الذين أصبحوا الضحية الأكبر. فجأة صار الطريق الذي يحتاج إلى عشر دقائق يستغرق نصف ساعة أو أكثر، ولا شيء يفسّر هذا الانهيار المفاجئ سوى جملة واحدة تتكرر على ألسنة الجميع: “توجد مشكلة بالتطبيقات”. غير أن المشكلة، كما يبدو، أعمق من مجرد خلل تقني عابر.
يقول علي، وهو عامل توصيل طلبات “دلفري” يعمل على دراجته النارية منذ ثلاث سنوات، إنه خسر أكثر من نصف دخله خلال اليومين الأخيرين. يصف مشواره الواحد بأنه تحوّل إلى مغامرة غير محسوبة النتائج. بمجرد أن يدخل أحد الأزقة، يتوقف التطبيق عن المتابعة ويشير إلى أنه يقف في مكان آخر تماماً. “مرات يوديني على الجسر، مرات يرميّني بنص دجلة”، يقول ضاحكاً بمرارة، ثم يضيف “أخاف يوم يرجعني للبيت ويكول خلك بالبيت أحسن”.
لا يختلف حال سائقو سيارات الأجرة الذين يعتمدون على تطبيقات التنقل كثيراً عن حال عمال الدلفري. زبائنهم قلت، والخطوط أصبحت أطول، والوقت المهدور يلتهم ما تبقى من أرباحهم المتواضعة أصلاً. يؤكد أبو ياسر، وهو سائق أجرة في الكاظمية، أنه اضطر لإلغاء خمس رحلات خلال يوم واحد. “الراكب يدق التطبيق، التطبيق يشرد مني، وآني ما أعرف وين أروّح”، يقول ذلك وهو يشير لهاتفه الذي أصبح عبئاً بدل أن يكون أداة عمل فعالة.
الأزمة بلغت حدها عندما بدأت التساؤلات تتكاثر عن أسباب هذا التشويش المتعمّد أو غير المتعمد على خدمات الـ GPS والتطبيقات المرتبطة به.
وهنا يأتي الردّ الرسمي، أو بالأحرى نصف الرد. مصدر في وزارة الداخلية قال لـ “عراق أوبزيرفر” إن الوزارة “غير مسؤولة عن التشويش الحاصل على تطبيقات النقل والملاحة”، وإن “وزارة الاتصالات هي الجهة المعنية بهذا النوع من الإجراءات الفنية”. هذا التصريح دفع بالكرة إلى ملعب الوزارة الأخرى، التي تجاهلت حتى الآن مكالمات عراق اوبزيرفر ولم تقدّم أي تعليق أو توضيح، رغم المحاولات المتكررة.
غياب الموقف الواضح من الحكومة زاد الطين بلّة. ومع توسّع المشكلة وامتدادها إلى مناطق أوسع داخل بغداد، بات المواطنون يطرحون تساؤلات حقيقية حول الهدف من هذا الحجب أو التشويش غير المعلن. البعض يرى أن الأمر يتعلق بإجراءات أمنية محددة في العاصمة خاصة مع قرب الانتخابات المقررة في 11 تشرين الثاني.



