العراقتحليلاتخاصرئيسية

البرلمان بين تطبيق العدالة او رحمة الالغاء.. كيف يُنفَّذ حكم الإعدام في العراق؟

بغداد / عراق أوبزيرفر

تُعد عقوبة الإعدام واحدة من أكثر العقوبات إثارةً للجدل في العالم، إذ تتقاطع فيها اعتبارات العدالة والقصاص والردع العام مع مبادئ الرحمة والحق في الحياة التي تنادي بها المواثيق الدولية. وفي العراق، ما تزال هذه العقوبة قائمة في المنظومة القانونية وتُنفّذ وفق ضوابط صارمة نصّ عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971، الذي جمع بين الدقة الإجرائية والاعتبارات الإنسانية.
ورغم وضوح النصوص القانونية التي تنظّم عملية التنفيذ، فإن الجدل لم يتوقف بين من يرى في الإعدام وسيلةً لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية المجتمع من الجرائم الخطيرة، وبين من يعتبره انتهاكاً للحق الإنساني في الحياة يمكن استبداله بالسجن المؤبد. وبين هذين الرأيين، يبقى البرلمان العراقي هو الجهة المخوّلة دستورياً للفصل في مستقبل هذه العقوبة، التي تمثل أحد أكثر الموضوعات حساسية في القانون العراقي الحديث.
*الاليات القانونية
يوضح الباحث القانوني علي التميمي الآليات القانونية الدقيقة التي تنظم تنفيذ عقوبة الإعدام في العراق، مستنداً إلى أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 والدستور العراقي النافذ، مؤكداً أن هذه العقوبة لا تُنفّذ إلا بعد استكمال سلسلة من الإجراءات الدستورية والعدلية المعقدة، بدءاً من تصديق الحكم مروراً بإصدار المرسوم الجمهوري وانتهاءً بتنفيذ الحكم داخل السجن وفق ضوابط إنسانية صارمة.
إجراءات التنفيذ وفق القانون
وبيّن التميمي في حديث لـ “عراق اوبزيرفر”، أن المادة (285) من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصّت صراحة على أن المحكوم عليه بالإعدام يُودع في السجن إلى حين استكمال الإجراءات الخاصة بالتنفيذ، ولا يمكن تنفيذ الحكم إلا بعد صدور المرسوم الجمهوري من رئيس الجمهورية، وهو من الاختصاصات الدستورية الحصرية المنصوص عليها في المادة (73/ثامناً) من الدستور العراقي.
وأضاف أن الإجراءات التفصيلية لعملية التنفيذ محددة في المواد (286) وما بعدها من القانون، حيث تقوم محكمة التمييز الاتحادية بعد تصديقها على الحكم بإرسال الملف إلى وزارة العدل، التي بدورها ترفعه إلى رئيس الجمهورية لاستصدار المرسوم الجمهوري الخاص بالتنفيذ.
وبعد صدور المرسوم، تصدر وزارة العدل الأمر النهائي بالتنفيذ وتتخذ الإجراءات العملية لإجرائه، إذ ينفذ حكم الإعدام بالنسبة للمدنيين شنقاً حتى الموت، في حين يُنفذ بالنسبة للعسكريين رمياً بالرصاص.
حالات تأجيل التنفيذ الإنسانية
وأشار التميمي إلى أن القانون العراقي تضمّن مبادئ إنسانية مهمة تتعلق بحالات تأجيل التنفيذ، إذ تنص المادة (287) على أنه إذا ثبت أن المحكوم عليها امرأة حامل، فعلى إدارة السجن إبلاغ رئيس الادعاء العام الذي يرفع مطالعة إلى وزير العدل لتأجيل التنفيذ.
ويتم رفع الأمر بعد ذلك إلى رئيس الجمهورية لاتخاذ القرار المناسب، بحيث لا يُنفّذ حكم الإعدام إلا بعد مرور أربعة أشهر على الولادة، سواء تم اكتشاف الحمل قبل صدور قرار التأجيل أو بعده.
كما نصت المادة (290) من القانون نفسه على عدم جواز تنفيذ حكم الإعدام خلال العطل الرسمية أو الأعياد الدينية الخاصة بديانة المحكوم عليه، ويتم تأجيل التنفيذ إلى ما بعد انتهاء المناسبة، مراعاة للكرامة الإنسانية والمعتقدات الدينية.
هيئة التنفيذ وإجراءات اليوم الأخير
وأوضح التميمي أن تنفيذ حكم الإعدام يتم داخل السجن وبحضور هيئة تنفيذية تتألف من قاضي الجنح، وعضو من الادعاء العام، وممثل عن وزارة الداخلية، ومدير السجن، وطبيب السجن، ويُسمح لمحامي المحكوم عليه بالحضور أيضاً.
وقبيل التنفيذ، يتلو مدير السجن المرسوم الجمهوري الخاص بالحكم أمام الحاضرين، ويسمح للمحكوم عليه بإبداء آخر أقواله أو وصيته، ثم يُنظم القاضي محضراً رسمياً بالتنفيذ يوقّعه جميع أعضاء الهيئة.
وبعد تنفيذ الحكم، يقوم الطبيب المختص بتثبيت واقعة الوفاة رسمياً في محضر خاص، وفقاً لما نصّت عليه المادة (289) من القانون.
حقوق المحكوم وعائلته قبل التنفيذ
وأضاف الباحث القانوني أن القانون منح عائلة المحكوم عليه حق زيارته في اليوم السابق للتنفيذ، وألزم إدارة السجن بإبلاغهم بموعد التنفيذ مسبقاً. كما أكدت المادة (292) على وجوب توفير رجل دين للمحكوم عليه إذا كانت ديانته تفرض عليه اعترافاً أو طقساً دينياً قبل الموت، مع تسهيل لقائه وإجراء الطقوس الدينية اللازمة.
أما بعد تنفيذ الحكم، فتُسلم الجثة إلى ذوي المحكوم عليه إذا طلبوا ذلك، وإن لم يتقدم أحد من العائلة لاستلامها، تتولى إدارة السجن دفن الجثة على نفقة الحكومة، ويُشترط أن يتم الدفن “بغير احتفال”، وفق النص القانوني.
بين الإبقاء والإلغاء.. جدل مستمر
وتطرق التميمي إلى الجدل القانوني والأخلاقي حول إلغاء عقوبة الإعدام أو الإبقاء عليها، مبيناً أن هناك اتجاهين متناقضين في هذا الملف.
الاتجاه الأول يدعو إلى إلغائها واستبدالها بـ السجن المؤبد، مستنداً إلى أن العقوبة الأخيرة تعد “قتلاً بطيئاً” وتحقق الردع المطلوب دون إنهاء حياة الإنسان، وهو ما تبنته معظم الدول الأوروبية التي ألغت الإعدام من تشريعاتها الجنائية.
أما الاتجاه الثاني، فيتمسك بالإبقاء على العقوبة، استناداً إلى نصوص الشريعة الإسلامية التي أكدت على مبدأ القصاص، مستشهداً بقوله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، معتبرين أن تنفيذ الإعدام يحقق الردع العام ويحفظ العدالة الاجتماعية بين الجناة والمجني عليهم.
القرار النهائي بيد البرلمان
وشدد التميمي على أن القرار النهائي في هذا الجدل يبقى بيد السلطة التشريعية، لأن عقوبة الإعدام وردت في عدة مواد من قانون العقوبات العراقي والقوانين الخاصة الأخرى، ولا يمكن إلغاؤها أو تعديلها إلا عبر تشريع جديد يصدر من مجلس النواب وفق القاعدة القانونية القائلة: “القانون لا يُلغى ولا يُعدّل إلا بقانون”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });