
بغداد / عراق اوبزيرفر
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في الحادي عشر من الشهر الجاري، تستعد القوى السياسية في العراق لخوض سباق مصيري يحدّد ملامح المرحلة المقبلة، وسط تحولات واضحة في موازين القوى داخل المكونات الثلاثة الأساسية: الشيعة والسنة والكورد. ورغم استمرار العرف السياسي القائم منذ عام 2003، والقاضي بتوزيع الرئاسات الثلاث بين المكونات، إلا أن الخريطة الانتخابية المقبلة توحي بتبدلات داخل كل مكون أكثر من تبدلها بين المكونات نفسها.
المكون الشيعي.. غياب الصدر وصعود السوداني
في البيت الشيعي، يشكّل غياب التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر الحدث الأبرز، إذ كان يمتلك 73 مقعداً في انتخابات 2021 قبل انسحابه من البرلمان. هذا الغياب ترك فراغاً سياسياً وشعبياً يصعب تعويضه بالكامل، لكن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بدأ يملأ جزءاً من هذا الفراغ عبر تعزيز حضوره الجماهيري والسياسي داخل المكون الشيعي، ما يثير قلق بعض قادة الإطار التنسيقي وعلى رأسهم نوري المالكي.
المحللون يرون أن شعبية السوداني قد تدفع “الطبقة الرمادية” من الناخبين — أي غير المنتمين حزبياً — إلى التصويت له أو لقوائم قريبة منه. وتشير التقديرات إلى أن القوى الشيعية ستنال نحو 177 مقعداً من أصل 329، بتراجع يقارب عشرة مقاعد عن الدورة السابقة.
وتُعدّ بغداد ساحة التنافس الأبرز، إذ قد يخسر المكون الشيعي فيها ما يقارب 26 مقعداً كانت سابقاً للتيار الصدري، وفق نظام الدوائر المتعددة، لتصبح العاصمة نقطة اختبار حقيقية لشعبية القوى الحالية.
السنة.. صراع الحلبوسي والسامرائي يرفع المشاركة
في المقابل، يعيش المكون السني تنافساً حاداً بين تحالف “تقدّم” بزعامة محمد الحلبوسي وتحالف “العزم” برئاسة مثنى السامرائي، في سباق يوصف بأنه “معركة الزعامة السنية”. ومع تصاعد الحملات الانتخابية، تحوّل التنافس إلى تبادل اتهامات وملفات فساد بين الطرفين، ما يعكس حدة الصراع. لكن المراقبين يرون أن هذا التنافس قد يكون إيجابياً من حيث تحفيز المشاركة الشعبية، خلافاً لانتخابات 2005 التي قاطعها أغلب الناخبين السنة.
ومن المتوقع أن يحصد المكون السني ما بين 88 إلى 90 مقعداً، بزيادة ملحوظة عن انتخابات 2021 التي حصل فيها على 57 فقط. وقد يتركز التقدّم في بغداد والأنبار ونينوى وصلاح الدين، خصوصاً بعد دخول شخصيات جديدة إلى السباق وارتفاع نسبة التسجيل الانتخابي.
الكورد.. تراجع نسبي ومخاوف من المقاطعة
أما المكون الكوردي، فيواجه انتخابات داخلية صعبة بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية في الإقليم، خصوصاً تأخر صرف الرواتب وعدم تشكيل حكومة جديدة رغم مرور عامين على الانتخابات المحلية. هذه الأزمات قد تدفع الشارع الكوردي إلى العزوف عن التصويت، ما سيؤدي إلى تراجع محدود في المقاعد البرلمانية الكوردية من 65 إلى نحو 60 مقعداً.
ويحتفظ الحزبان التقليديان — الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني — بهيمنتهما على محافظات الإقليم الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك)، فيما يتوقع أن يحقق “الجيل الجديد” مكاسب محدودة بين الشباب الناقم على الطبقة السياسية التقليدية.
وفي محافظات كركوك ونينوى وديالى وصلاح الدين، يتوقع أن تحصل الأحزاب الكوردية على 14 إلى 15 مقعداً فقط، في ظل منافسة قوية مع القوى العربية والتركمانية.
تحالفات ما بعد الاقتراع
النتائج المتوقعة تشير إلى مشهد برلماني جديد: خسارة جزئية للمكون الشيعي، صعود سني واضح، وتراجع كوردي طفيف. هذه التغييرات ستجعل مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة أكثر تعقيداً، إذ لن يكون لأي مكون قدرة على تشكيل الحكومة منفرداً. فالإطار التنسيقي قد يحتاج إلى تفاهمات أوسع مع الحلبوسي والبارزاني لتأمين أغلبية مريحة، بينما يسعى السوداني للحفاظ على موقعه بدعمٍ من ائتلافات متعددة الاتجاهات.
وبذلك، تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز “تبدّل موازين القوى”، حيث تتحول المنافسة من سباق المكونات التقليدية إلى سباق بين شخصيات وتيارات تسعى لفرض واقع سياسي مختلف في بغداد.



