
بغداد/ عراق أوبزيرفر
يشهد ملف المياه في العراق لحظة حاسمة مع بدء تطبيق قرار إيقاف منح أو تجديد إجازات تربية الأسماك بدءا من اليوم (الجمعة)، باستثناء العاملين بنظام الأقفاص العائمة، وهي خطوة تراها الجهات الحكومية ضرورية للحد من الهدر المائي، لكنها تتقاطع مع أزمة أوسع تتعلق بانهيار المخزون المائي، وارتفاع الضغوط على القطاعات الزراعية والصناعية، وتنامي التجاوزات على الحصص والأنهر.
وتراجع الخزين المائي من 55 مليار متر مكعب عام 2019 إلى أقل من 4 مليارات خلال الأسابيع الماضية، وضع الأنشطة الأكثر استهلاكاً للمياه تحت تدقيق صارم، وفي مقدمتها البحيرات الطينية التي تعتمد على كميات كبيرة من المياه الراكدة.
ووفق وزارة الزراعة، سيجري ردم جميع البحيرات غير المجازة وإيقاف أي منح جديدة، مع توقع انخفاض المعروض وارتفاع أسعار الأسماك المحلية، وسط استمرار فتح باب الاستيراد لسد النقص.
في السياق ذاته، تواصل وزارة الموارد المائية حملات إزالة التجاوزات، معلنة رفع 12 ألف بحيرة مخالفة بعد رصد عمليات تلاعب بمنافذ الماء ونصب مضخات دون موافقات، وهي تجاوزات تسهم في استنزاف الحصص المائية وتعرقل التخطيط طويل الأمد.
بدوره قال الخبير في المجال المائي رمضان حمزة إن العراق يواجه «أزمة مركبة» ترتبط بضعف الحوكمة المائية وتضارب الأدوار المؤسسية والتجاوزات على الأنهار، مضيفاً أن «إدارة أحواض الأنهر التشاركية تمثل الخيار الأكثر قدرة على إحداث تغيير حقيقي في ظل تضارب المصالح واشتداد ضغوط شح المياه».
وأوضح حمزة لـ”عراق أوبزيرفر” أن «غياب مشاركة المستخدمين في اتخاذ القرار وعدم تقنين جمعيات مستخدمي المياه خلق فراغاً كبيراً في إدارة الملف، فيما تحولت التجاوزات إلى ما يشبه مافيات مياه تؤثر على الحصص المائية وتضعف الثقة بين المجتمع والوزارات”.
ويشير حمزة إلى أن «تجارب الحوكمة التشاركية تحتاج إلى تهيئة اجتماعية وقانونية، ولا يمكن تطبيقها بصورة آلية دون إزالة العقبات المؤسسية ورفع التجاوزات»، لافتاً إلى أن الأوضاع الحالية تهدد الأمن المائي والغذائي على حد سواء نتيجة تراجع ضمانات مياه الشرب واستمرار الضغط على القطاعين الزراعي والصناعي.
وتزامناً مع موجة الأمطار الأخيرة التي أسهمت في رفع منسوب دجلة مؤقتاً، يوضح خبراء أن كميات التساقط ما تزال محدودة ولا تلامس حاجة الخزن الاستراتيجي، فيما تحتاج البلاد إلى مشاريع حصاد مائي وسدود غاطسة للسيطرة على السيول وتوجيهها نحو مسارات آمنة.
وبينما تروّج الجهات الرسمية لتوقعات موسم «رطب» خلال الأشهر المقبلة، تؤكد الوقائع أن الانفراج لن يتحقق ما لم تُعالج جذور الأزمة، إذ تبقى شحة المياه، وتراجع الخزين، واتساع التجاوزات، عناصر ضاغطة يعيد القرار الحكومي الأخير وضعها في الواجهة.



