العراقتحليلاتخاص

سرقة المال العام بلا خط ساخن.. لماذا لا يوجد 911 فاعل للنزاهة ايضا؟

بغداد/ عراق أوبزيرفر

رغم تعدد الحملات الحكومية الرامية لتعزيز النزاهة ومواجهة الفساد، ما زالت فجوة الثقة بين المواطن والدولة تتسع، في ظل شعور عام بأن الإجراءات المتخذة حتى الآن لم تصل إلى جوهر الأزمة المتمثل في غياب الردع، وتباطؤ المحاسبة، واستمرار النفوذ السياسي داخل المؤسسات الرقابية.

ويرى مختصون أن الفساد لم يعد مجرد حالة طارئة، بل تحوّل في بعض الدوائر إلى جزء من آليات العمل اليومي، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة أي حملة توعوية على إحداث تغيير ملموس ما لم تترافق مع خطوات جريئة تجاه الملفات الكبرى.

وأطلقت هيئة النزاهة الاتحادية حملة توعوية موسعة بعنوان “دقّ الباب لمكافحة الفساد”، تهدف إلى تعزيز الوعي المجتمعي بقيم النزاهة وحماية المال العام، تزامناً مع فعاليات اليوم العالمي لمكافحة الفساد.

وأوضحت الهيئة أن الحملة تعتمد التواصل المباشر مع الأسر داخل منازلهم، لشرح مفاهيم النزاهة، ومخاطر الفساد، وآليات الإبلاغ المحمية قانونياً، في محاولة لخلق بيئة مجتمعية أكثر تجاوباً مع جهود الرقابة والإصلاح.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه مطالبات الشارع بضرورة الانتقال من التوعية إلى التطبيق، ومن الشعارات إلى الإجراءات، في ظل قناعة شعبية بأن حملات مكافحة الفساد غالباً ما تبقى في إطارها الرمزي ما لم تُفعّل السلطات أدواتها القانونية بشكل صارم.

وعلى الرغم من الترحيب بهذه المبادرة كمقاربة مجتمعية جديدة، إلا أن الأسئلة تبقى مطروحة حول مدى قدرتها على التصدي للفساد المؤسسي الذي يرتبط في أجزاء واسعة منه بمراكز نفوذ سياسية وإدارية.

ويشير مختصون في الحوكمة إلى أن الفساد في العراق لم يعد مقتصراً على معاملات فردية أو مخالفات إدارية، بل تشكل عبر السنوات في صورة شبكات مترابطة داخل مؤسسات الدولة، تُدار بعلاقات معقدة ويصعب تفكيكها من دون إرادة سياسية حقيقية، وأدوات تنفيذية مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة.

وفي السياق ذاته، يرى مواطنون أن المشكلة لا تقتصر على غياب القوانين، بل على ضعف الاستجابة الحكومية لشكاوى الفساد، مقارنةً بنماذج أخرى من الأداء الرسمي، مثل الخط الساخن “911” التابع لوزارة الداخلية، الذي يحظى بإشادة واسعة بسبب سرعة التفاعل مع شكاوى المواطنين ومتابعتها ميدانياً.

ويقول مراقبون إن غياب آلية مشابهة لمتابعة البلاغات المتعلقة بالفساد، وغياب إجراءات فورية وواضحة، يساهم في ترسيخ شعور عام بعدم جدوى الإبلاغ أو المشاركة في الحملات التوعوية.

طابع عراقي
وفي هذا الإطار، قال المواطن أحمد كريم، وهو موظف في إحدى الدوائر الحكومية، إن “الناس يريدون رؤية دولة تستجيب للنداءات، أما أن يبقى الفساد في المستويات العليا بعيداً عن المحاسبة، فهذا يجعل المواطن يعتقد أن المشكلة أكبر من مجرد حملات توعوية”.

وأضاف لـ”عراق أوبزيرفر أن “الموظف النزيه يشعر أحياناً بأنه مستهدف داخل منظومة معقدة، بينما يحصل الفاسد على حماية غير معلنة”.

من جانبه، يرى المواطن سيف العاني أن “الفساد أصبح جزءاً من الحياة اليومية، والمواطن بات يتعامل معه كأمر طبيعي، بل أصبح ضمن الهوية أو الروتين العراقي الطبيعي بسبب غياب المعالجات الجدية”.

ويؤكد خلال حديثه لـ”عراق أوبزيرفر” أن كثيراً من الناس لا يثقون بآليات التبليغ الحالية لأنها لا توفر رد فعل سريعاً، ولا تكشف للرأي العام عن مصير الشكاوى أو الإجراءات المتخذة بحق المخالفين”.

ويشهد العراق منذ سنوات انتشاراً واسعاً للفساد في قطاعات متعددة، بدءاً من المعاملات اليومية وانتهاءً بالملفات الكبرى المتعلقة بالعقود والاستثمارات.

ويؤكد خبراء أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تفعيل القوانين بشكل صارم، وتحصين المؤسسات الرقابية، وإبعادها عن الضغوط السياسية، إضافة إلى بناء قنوات تواصل فعالة تتيح للمواطنين تقديم الشكاوى ومعرفة مصيرها بوضوح.

بدوره أكد المحلل السياسي داود الحلفي أهمية الجهد التوعوي المقدم ضمن حملة “دق الباب لمكافحة الفساد”، مشيراً إلى أنها تمثل خطوة مهنية لتعزيز الثقافة القانونية، لكنها غير كافية ما لم تُستكمل بإجراءات تنفيذية من أعلى المستويات.

وقال الحلفي في تصريح لـ”عراق أوبزيرفر” إن “المواطن يتمنى رؤية دوائر بلا فساد وتطبيق القانون بشكل عادل”، مؤكداً أن “الفساد بات عقيدة لدى بعض المسؤولين، وأن العاملين النزيهين لا يصلون إلى مواقع متقدمة إلا ضمن منظومة قائمة على الولاءات والمصالح”.

وأضاف الحلفي أن “تعزيز قانون (من أين لك هذا) وتفعيل آليات مكافحة غسل الأموال وتوسيع قدرات المحاسبة، تعد أدوات ضرورية لبناء ثقة المواطن”، مشدداً على أن “ضرب الرؤوس الكبيرة هو السبيل الوحيد لإقناع المجتمع بأن الحكومة جادة في مواجهة الفساد”.

وفي ظل غياب هذه الإجراءات، يبقى المواطن متحفظاً ومشككاً بجدوى الحملات المجتمعية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إصلاح شامل يعيد للدولة هيبتها، ويعيد للمجتمع ثقته بقدرة المؤسسات على حماية المال العام، وبناء إدارة رشيدة تضمن العدالة والشفافية في كل مفاصلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });