
بغداد / عراق اوبزيرفر
لم يعد المشهد العراقي اليوم محكوماً بالشعارات السياسية أو الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية، بقدر ما بات ساحة مفتوحة لصراع نفوذ تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية على حساب الداخل المنهك بالأزمات، إذ يبرز حديث متزايد عن “مشروع تغيير” يسعى إلى كسر حلقة الارتهان، وإعادة توجيه بوصلة الدولة نحو مسار إصلاحي اقتصادي – اجتماعي شامل، يضع السيادة والمصلحة الوطنية في صدارة الأولويات.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي والدبلوماسي السابق، فيصل غازي، أن صانع التغيير الحقيقي في العراق لا يتمثل في تبديل الوجوه أو إعادة إنتاج السلطة، بل في مشروع عميق يهدف إلى نقل البلاد من حالة التبعية للنفوذ الإيراني، بكل ما رافقها من أزمات اقتصادية وتنموية واجتماعية، إلى دولة قادرة على إدارة مواردها، وبناء اقتصاد فاعل، واستعادة دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي والدولي”.
وقال غازي في حديث لـ”عراق اوبزيرفر”، إن هذا المشروع الإصلاحي “لا يسعى إلى قطيعة مع إيران لا دينياً ولا مذهبياً ولا جغرافياً”، لكنه يركز على إعادة ضبط العلاقة معها، وتصفية النفوذ الذي ألحق أضراراً مباشرة بالاقتصاد العراقي.
وأوضح أن “المشهد العراقي محكوم اليوم بصراع نفوذ واضح بين الولايات المتحدة وإيران، مع وجود تدخلات لدول الجوار، إلا أن الثقل الأكبر يبقى لهذا الصراع الثنائي، حيث اعتمدت طهران على أدوات سياسية وأمنية وفصائل مسلحة لتكريس نفوذها، في مقابل توجه واشنطن إلى استخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، بعيداً عن خيار المواجهة العسكرية المباشرة”.
وأشار إلى أن العراق يمثل ركناً أساسياً في حسابات الأمن القومي الأميركي في الشرق الأوسط، إلى جانب سوريا، ما يجعل تخلي الولايات المتحدة عنه أمراً مستبعداً، لافتاً إلى أن إرسال مبعوث رئاسي أميركي إلى بغداد يحمل رسالة واضحة باستمرار الاهتمام الأميركي بالعراق، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن واشنطن لا تبحث عن حروب جديدة، بل عن إدارة نفوذها عبر المصالح والاقتصاد والدبلوماسية.
وبين أن الخيار الاقتصادي هو الأداة الأهم في السياسة الأميركية تجاه العراق، إذ تمتلك واشنطن أوراق ضغط حساسة، أبرزها علاقتها بالبنك المركزي العراقي، ومرور عائدات النفط عبر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والتحكم بالتحويلات المالية، فضلاً عن ملف الدعم العسكري، حيث تعتمد القوات المسلحة العراقية بنسبة تفوق 85% على مصادر أميركية في التسليح والصيانة والتدريب.
ويختم غازي بالقول إن الضغوط الأميركية المرتقبة ستكون اقتصادية ودبلوماسية بالدرجة الأولى، وتهدف إلى إعادة ضبط التوازن في العلاقة بين بغداد وواشنطن، وضمان الالتزام باتفاقية الإطار الاستراتيجي، من دون الانزلاق إلى صدام عسكري مفتوح، مؤكداً أن مستقبل العراق سيتحدد بقدرته على استثمار هذا الصراع لصالح بناء دولة ذات سيادة، واقتصاد قادر على انتشال المجتمع من أزماته المزمنة، لا بقدرته على الانحياز لهذا الطرف أو ذاك.
وفق هذا المشهد المعقد، يبدو العراق واقفاً على حافة تحول حاسم، تتقاطع فيه الضغوط الدولية مع الحاجة الداخلية الملحة للإصلاح.



