
بغداد / عراق اوبزيرفر
خلال ساعات قليلة، استيقظ العراقيون على سلسلة حوادث دموية لم تقع في ساحات حرب أو شوارع مكتظة، بل داخل البيوت نفسها. ثلاث محافظات متباعدة جغرافيا ــ البصرة جنوبً، الأنبار غربا، وكوردستان شمالًا ــ شهدت جرائم قتل عائلية، ارتكبها أقارب ضد أقارب، في مشهد يعكس تصاعدا خطيرا في العنف الأسري وتحوله من نزاعات كلامية إلى نهايات دموية.
خلافات عائلية تنتهي بالرصاص
في محافظة البصرة، أفادت مصادر أمنية بأن القوات الأمنية لاحقت متهما أقدم على قتل منتسب أمني داخل منزل في قضاء الدير، إثر خلاف عائلي.
الجريمة وقعت في محيط يفترض أنه الأكثر أمانا، المنزل، لكنها انتهت بإزهاق روح بسبب نزاع لم تفلح الروابط العائلية ولا الصفة الوظيفية في احتوائه.
وفي محافظة الأنبار، تكرر المشهد بصورة مشابهة. رجل لقي مصرعه على يد أحد أقربائه داخل منزله في منطقة زراعية شرق قضاء الكرمة، نتيجة نزاع عائلي تطور إلى جريمة قتل.
كردستان: أربعة قتلى بسبب أرض
وفي شمال العراق، كانت الحصيلة أشد قسوة. نزاع مسلح بين عائلتين في قرية خالەبەگي التابعة لقضاء رزگاري ضمن إدارة گَرميان المستقلة، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة اثنين آخرين.
الخلاف، بحسب مصدر محلي، كان على ملكية أراض زراعية، والمفارقة أن القضية كانت معروضة أصلا أمام القضاء. لكن انتظار الحكم لم يمنع الأطراف من اللجوء إلى السلاح، ليحسم النزاع بالدم بدل القانون. جميع الضحايا والمصابين، كما أكد المصدر، هم أقارب.
خلال أقل من 24 ساعة، سقط ضحايا في ثلاث بيئات مختلفة، ما ينفي فكرة أن الظاهرة محصورة بمنطقة أو مجتمع معين، ويؤكد أنها أزمة مجتمعية عامة.
“العائلة لم تعد مساحة أمان”
وفي هذا السياق، تقول الباحثة الاجتماعية نضال الباوي في حديث خاص لـ”عراق أوبزيرفر”، إن ما يحدث هو “مؤشر خطير على تفكك منظومة الضبط الاجتماعي داخل الأسرة”.
وتضيف الباوي: “العائلة كانت تاريخيا مساحة أمان وحماية، لكنها اليوم، في كثير من الحالات، تحولت إلى ساحة صراع. الضغوط الاقتصادية، والبطالة، والإحباط، إضافة إلى انتشار السلاح، جعلت أي خلاف بسيط قابلا للتحول إلى جريمة قتل”.
وتشير إلى أن أخطر ما في هذه الجرائم هو أنها ترتكب بدافع لحظي، دون تخطيط، نتيجة انفجار غضب مكبوت، مؤكدة أن “غياب مهارات إدارة النزاع داخل الأسرة، وانعدام الثقة بالمؤسسات القانونية، يدفع الأفراد إلى أخذ حقهم بأيديهم”.
السلاح داخل البيت.. القاتل الصامت
تؤكد الباوي أن وجود السلاح داخل المنازل هو العامل الحاسم في تصاعد هذا النوع من الجرائم، قائلة: “لو لم يكن السلاح متوفرا، لبقيت أغلب هذه الخلافات في إطار الشجار أو القطيعة، لكنها تحولت إلى قتل لأن أداة القتل جاهزة”.
وتحذر من أن استمرار هذا الوضع ينذر بموجة أعنف من الجرائم العائلية، خصوصا في ظل غياب برامج دعم نفسي واجتماعي، وضعف دور الإرشاد الأسري.
وترى الباوي أن “تعزيز الثقة بالقانون، وتسريع البت في النزاعات العائلية، خصوصا قضايا الأراضي والإرث، بات ضرورة ملحة، لأن هذه الملفات تعد من أكثر أسباب العنف داخل العائلة”.
وفي وقت تتجه فيه الأنظار عادة إلى الإرهاب أو الجريمة المنظمة، يبدو أن الخطر الأكثر قربا اليوم هو ذاك الذي ينشأ بين الجدران الأربعة، حيث لا كاميرات، ولا حواجز، ولا إنذارات مبكرة.



