العراقالمحررخاص

المؤشرات الكيميائية الحيوية تكشف تحسناً في التعافي.. دراسة علمية عراقية ترصد أداء مراكز التأهيل في وزارة الداخلية

بغداد/ عراق اوبزيرفر

أنجز عضو الهيئة التدريسية في كلية الطب بالجامعة المستنصرية، المدرس الدكتور مصطفى البرهان، دراسة علمية تناولت واقع مراكز التأهيل التابعة لوزارة الداخلية العراقية، مسلطةً الضوء على دورها المتنامي في خدمة المجتمع العراقي من خلال علاج وتأهيل ومتابعة المتعافين من تعاطي المواد المخدرة، وربط ذلك بمؤشرات صحية ووظيفية وحيوية تعكس مسارات التعافي وإعادة الاندماج الاجتماعي والعملي.

واعتمدت الدراسة على مراجعة وتحليل أكثر من عشرة آلاف ملف تأهيلي داخل مراكز إعادة التأهيل، إذ شملت 10,246 حالة مسجلة خلال عامي 2024 و2025، في خطوة تُعد من الدراسات المهمة التي تربط بين العمل المؤسسي الأمني والبعد الصحي والاجتماعي لمشكلة المخدرات في العراق.

وأظهرت نتائج الدراسة ارتفاع عدد النزلاء المسجلين في مراكز التأهيل من 4,827 حالة في عام 2024 إلى 5,419 حالة في عام 2025، وبنسبة زيادة بلغت 12.3%. وتشير هذه الزيادة، بحسب قراءة الدراسة، إلى اتساع نطاق الوصول إلى الخدمات التأهيلية، وتعزيز شبكات الإحالة، وارتفاع مستوى الثقة المجتمعية بالمؤسسات المختصة، فضلاً عن تنامي قدرة الدولة على استقبال الحالات وإدخالها ضمن مسارات العلاج والرعاية بدلاً من تركها خارج منظومة المتابعة والرقابة حتى ما بعد الخروج من مركز التأهيل.

وبيّنت الدراسة أن الفئات العمرية الشابة، ولا سيما بين 25 و35 عاماً، شكّلت النسبة الأعلى بين المستفيدين من خدمات التأهيل، الأمر الذي يمنح الدراسة أهمية اجتماعية واقتصادية واضحة، كون هذه الفئة تمثل شريحة منتجة في المجتمع، وتضم طلبة وموظفين وآباءً ومعيلين محتملين لأسرهم.

و *من هنا تؤكد الدراسة أن إعادة التأهيل لا تمثل خدمة علاجية محدودة فحسب، بل استثماراً مباشراً في الأسرة وسوق العمل والاستقرار الاجتماعي* .

كما كشفت النتائج عن تصدر مادة الكريستال ميثامفيتامين قائمة المواد الأكثر شيوعاً بين الحالات المسجلة، إذ بلغت نسبتها 74.4%، تلتها مادة الكبتاغون بنسبة 21.2%. وتعكس هذه المؤشرات حجم التحدي السريري والاجتماعي الذي تواجهه فرق التأهيل، نظراً لما يرتبط به تعاطي المنشطات من اضطرابات في النوم، وزيادة الرغبة القهرية في التعاطي، والاندفاعية، وعدم الاستقرار النفسي والسلوكي، وصعوبة العودة إلى الحياة اليومية بصورة طبيعية.

وفي جانب النتائج التأهيلية، سجّلت الدراسة تحسناً واضحاً في عدد من المؤشرات، إذ ارتفع الالتزام بالبرنامج التأهيلي إلى 84%، كما ارتفعت نسبة إكمال البرنامج من 61% إلى 79%. وفي المقابل، انخفض معدل الانتكاس خلال ستة أشهر من 34% إلى 18%، بينما ارتفعت نسبة العودة إلى العمل أو التعليم من 42% إلى 67%، وهي نتائج تعكس انتقال مراكز التأهيل من مجرد استقبال الحالات إلى منظومة متابعة أكثر فاعلية تهدف إلى استعادة الدور الاجتماعي والمهني للمتعافين.

وتطرقت الدراسة أيضاً إلى مجموعة من المؤشرات الصحية والوظيفية والحيوية المرتبطة بالتعافي، من بينها تحسن النوم، وتنظيم التوتر، والوظائف التنفيذية، والاستقرار السلوكي، فضلاً عن مؤشرات مرتبطة بوظائف الكبد والكلى وسكر الدم وبعض المؤشرات المختبرية والصحية الأخرى. وأكدت الدراسة أن هذه المؤشرات ينبغي تفسيرها ضمن إطارها المؤسسي والسريري، لكنها في الوقت نفسه تعزز فكرة أن التعافي من الإدمان لا يعني الامتناع عن التعاطي فقط، بل يشمل استعادة الصحة، والاتزان النفسي، والقدرة على العمل والتعلم والاندماج في المجتمع.

وأكد الدكتور مصطفى البرهان أن أهمية هذه الدراسة تأتي من كونها تتناول خدمة مباشرة تمس المجتمع العراقي، وتسلط الضوء على تجربة وطنية تجمع بين الجهد المؤسسي لوزارة الداخلية، ممثلة بالمديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، وبين الرؤية العلمية التي تعتمد على تحليل البيانات والمؤشرات الصحية والوظيفية والحيوية. وأضاف أن مكافحة المخدرات لا تقتصر على الجانب الأمني وحده، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل الوقاية، والعلاج، والتأهيل، والمتابعة، ودعم الأسرة، وإعادة إدماج المتعافين في التعليم والعمل.

وتوصي الدراسة بتطوير أنظمة وطنية أكثر دقة لتوثيق ومتابعة حالات التأهيل، وتوسيع برامج المتابعة بعد الخروج من المراكز، وتعزيز تدريب الكوادر المتخصصة، وزيادة الاعتماد على المؤشرات الحيوية والمختبرية الموضوعية، فضلاً عن ربط برامج التأهيل بالتدريب المهني والتعليم والدعم الأسري، بما يضمن استدامة التعافي وتقليل احتمالات الانتكاس.

وتخلص الدراسة إلى أن تجربة مراكز التأهيل في وزارة الداخلية تمثل مساراً مهماً في التعامل مع ملف المخدرات بوصفه تحدياً صحياً واجتماعياً ووطنياً، لا يقل أهمية عن بعده الأمني. كما تؤكد أن الاستثمار في إعادة التأهيل وإعادة الاندماج يمثل خطوة أساسية لحماية الشباب العراقي، ودعم الأسر، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
document.addEventListener("DOMContentLoaded", function() { if (document.querySelector("nojq")) { document.querySelector("nojq").addEventListener("click", function() { console.log("Element clicked!"); }); } });