بترويس في مقال بالواشنطن بوست: الرئيس الزيدي يقود حملة كبرى لمكافحة الفساد تستهدف الشبكات لا الأفراد وتمثل لحظة مفصلية في تاريخ العراق

واشنطن/ متابعة عراق أوبزيرفر
قال ديفيد بتريوس، الجنرال الاميركي المتقاعد ومدير وكالة الاستخبارات الاميركية سابقاً والذي عرف بأنه صاحب فكرة تأسيس الصحوات في العراق، انه نادراً ما تخرج دولة من عقود من الديكتاتورية والتدخل الأجنبي والتمرد والإرهاب والحرب الأهلية والفساد والتدخلات الخارجية، وهي تمتلك فرصة حقيقية لإعادة صياغة مستقبلها ولعل العراق قد وصل الآن إلى مثل هذه اللحظة..
واضاف في مقال نشره اليوم (الاثنين) في صحيفة واشنطن بوست واسعة الانتشار:
إن هذه الفرصة ليست مضمونة بأي حال من الأحوال؛ فالتاريخ يشير إلى أن اللحظات الحاسمة غالباً ما تُهدر بدلاً من أن تُغتنم. غير أن التطورات الأخيرة – بما في ذلك حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد، وجهود استعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، ومبادرات تهدف إلى تعزيز سيادة العراق وتنويع شراكاته الدولية – تشير إلى أن العراق قد دخل مرحلة هي الأكثر أهمية ومصيرية منذ هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”.
واضاف: في مقال نُشر مؤخراً في صحيفة “ذا بوست”، أشرتُ إلى أننا قد نكون بصدد مشاهدة عودة الدولة العراقية؛ وقد عززت الأحداث اللاحقة هذا التقييم. ولم يعد السؤال الأهم الآن يتمحور حول ما إذا كان العراق يمتلك فرصة، بل عما إذا كان قادراً على استغلالها.
وأوضح بترويس في مقالته: لن تتحدد الإجابة بناءً على عملية اعتقال واحدة، أو اتفاقية استثمار، أو قمة دبلوماسية، أو عملية عسكرية؛ بل يعتمد الأمر على قدرة العراق على حسم سلسلة من التحديات الاستراتيجية التي ستشكل ملامح البلاد لسنوات قادمة.
وزاد قائلاً: وفي الوقت الذي يستعد فيه رئيس الوزراء علي الزيدي للقاء الرئيس دونالد ترامب في واشنطن هذا الأسبوع، يبرز سؤال جوهري ثانٍ: كيف يمكن للولايات المتحدة مساعدة العراق في مساعيه لحسم هذه التحديات الاستراتيجية؟
مشيرا إلى أن القضية الأهم هي في مدى قدرة مؤسسات الدولة العراقية على أن تصبح أقوى من الشبكات غير الرسمية التي طالما نافستها
واضاف: على مدى معظم العقدين الماضيين، تشكّل واقع العراق بفعل منظومات سلطة متنافسة: المؤسسات الحكومية الرسمية من جهة، وشبكات غير رسمية قائمة على الفساد والمحسوبية السياسية ونفوذ الميليشيات والتمويل غير المشروع والأنشطة الإجرامية والدعم الخارجي — ولا سيما من إيران — من جهة أخرى. وتكتسب حملة مكافحة الفساد الحالية أهميتها ليس لمجرد أنها أدت إلى اعتقال شخصيات بارزة، بل لأنها تبدو وكأنها تتجاوز الأفراد لتطال تلك الشبكات ذاتها.
ويرتبط بذلك ارتباطاً وثيقاً الصراع حول احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة؛ إذ لا يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تستمر إذا احتفظت جماعات مسلحة بقدرات عسكرية مستقلة. وقد حدد رئيس الوزراء موعداً نهائياً في 30 سبتمبر/أيلول لتجريد كافة الجماعات غير التابعة للدولة من سلاحها؛ ولذا، فإن إصرار العراق على حصر حمل السلاح بيد الدولة يمثل واحداً من أكثر الاختبارات أهمية ومصيرية التي تواجه الحكومة
وشرح بترويس : وتُعد الحوكمة ساحة تنافس أخرى؛ فالمؤسسات تستمد شرعيتها في نهاية المطاف ليس فقط من السلطة القانونية، بل من الأداء الفعلي. إذ يتعين على المحاكم إقامة العدل بإنصاف، وعلى الوزارات تقديم خدمات عامة موثوقة، وعلى سلطات الجمارك تحصيل الإيرادات بنزاهة. كما يجب على مؤسسات العراق أن تتفوق على المحسوبية السياسية في تلبية احتياجات المواطنين، فالحكومات تكتسب الثقة من خلال الكفاءة.
واسترسل: ويأتي بعد ذلك ملف السيادة؛ إذ لا يمكن للعراق ممارسة استقلاليته الاستراتيجية بشكل كامل طالما ظل معتمداً بشكل مفرط على أي طرف خارجي واحد. ورغم أن الجغرافيا وحدها تضمن بقاء العراق وإيران جارين مهمين، إلا أن سيادة العراق ستتعزز من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتوسيع الشراكات مع دول الخليج ومستثمرين دوليين آخرين، وزيادة الاستفادة من الغاز الطبيعي، والمضي قدماً في مشاريع مثل “طريق التنمية”، وتوسيع نطاق العلاقات الاقتصادية.
وبين الجنرال الاميركي المتقاعد: ستحتاج الحكومة أيضاً إلى التكيف؛ فكل مسعى إصلاحي ناجح يثير مقاومة، وشبكات الفساد تتطور، والميليشيات تعدّل أساليبها، كما أن التكنولوجيا تغير باستمرار طبيعة المنافسة، بدءاً من الأنظمة المالية وحملات المعلومات ووصولاً إلى الأنظمة المستقلة والطائرات المسيرة التي تزداد تطوراً. وستكون الغلبة للمؤسسات التي تتعلم وتتكيف بوتيرة أسرع.
واختتم بالقول: يكون هناك اختبار أخير هو الأهم: هل يمكن للهوية الوطنية العراقية أن تواصل تعزيز قوتها لتتفوق على الولاءات الطائفية والفئوية؟ إن الدول الراسخة لا تستمر بفضل الدساتير والقوات الأمنية فحسب، بل بفضل مواطنين يرون أنفسهم شركاء في مشروع وطني مشترك. لقد حقق العراق تقدماً ملحوظاً منذ أحلك أيام الحرب الأهلية الطائفية، وسيعتمد استمرار هذا التقدم -إلى حد كبير- على مدى قدرة الهوية الوطنية على مواصلة التفوق على الولاءات الأضيق نطاقاً.



